ماذا لوّ؟
12:17 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 3 أكتوبر 2008
ماذا لو أن إبليسَ تراجع الآن عن تحدّيه لرب العزة، وقرر أن يسجد لآدم ( رغم أن عشرات الملايين من نسل آدم أكثر شراً من إبليس نفسه)، وأنْ يتوب قبل يوم القيامة، وأن يستغفر اللهَ، تعالى ،عن عصيانه، وأنْ يقرر التوقفَ عن الوسوسة للإنسان؟ ماذا لو أنَّ اللهَ تعالى رفض توبةَ إبليس، لكن الشيطان نفسه يقرر عدم التراجع عن التوبة والاستغفار والندم، ثم يبدأ في الوسوسة للإنسان بالخير ظنا منه أن الله سيقبل توبته؟ ماذا لو أنَّ (القاعدة) أو أي جماعة دينية متطرفة ضربت ضربة إرهابية تصغر بجانبها تفجيرات لندن ومدريد والبرجين التوأمين، ثم يقرر الغرب والأمريكيون إعلان حرب عالمية ضد العالم الإسلامي، مستخدمين التهديدات النووية، فإما أن يختار المسلمون الإسلامَ والإبادةَ أو الطاعة العمياء للغرب وأمريكا وإسرائيل؟ ماذا لو انهار الاقتصاد الأمريكي، وانتهى الدولار كما انتهى الدينار العراقي، ولم تعد لمئات المليارات من أموال العرب في مصارف الولايات المتحدة قيمة أكثر من الورق ذاته وحبره؟ ماذا لو فرض علينا القطب الأكبر إزالةَ كل ما يتصادم مع الغرب من تراث وتاريخ وقيم وعادات وتقاليد وكتابات وكتب مقدسة وأحاديث نبوية؟ هل سنرفض، ونقاوم، ونتحدى، ونصنع أسلحةً و معدات ونصعد للفضاء، ونهدد بسلاح نووي لم يخرج للنور بعد؟ ماذا لو رَدَّ الغربُ وأمريكا بالحرب الالكترونية، وحجب كل المواقع العربية والإسلامية ومنعها منعا تاما، معتدلة أو متطرفة أو مسالمة أو صديقة، وانهاء أي صلة للعرب بعالم الإنترنيت؟ ماذا لو انهارت الأنظمة المستبدة والديكتاتورية في العالمين العربي والاسلامي، والمدعومة من الغرب وأمريكا وإسرائيل، بفعل غضب شعبي أو عصيان يكتسح القصور والسلطات والزعماء، ويفرج عن عشرات الآلاف من المعتقلين، وينصب المشانق لأعداء الشعوب، ويفضح تآمرهم على شعوبهم، وتَعُمّ الفوضى، ويتم تعبيد الطريق لقوىَ جديدة تماما، قد تكون قوى دينية أكثر تطرفا من القاعدة نفسها، وقد تكون قوى مستنيرة ومعتدلة ومعادية للتطرف والغرب على حد سواء؟ ماذا لو نفخ الحمقى والمتشددون في الخلافات المذهبية والطائفية على مستوى العالمين العربي والإسلامي، وامتد العداء بين كل الطوائف الاسلامية والمسيحية والاقليات وغيرها، فهل لدى علمائنا وزعمائنا ومثقفينا وإعلامينا ومفكرينا القدرة على اخماد نيران الكراهية والبغضاء، أم أننا أضعف من مواجهة تحديات كهذه، قد تبدو ظاهريا كأنها خيال، لكنها ليست بعيدةً تماما عن التجسّد جحيما يمتد على طول وعرض عالمينا العربي والإسلامي؟ ماذا لو تم تفريغ العالم العربي، كما حدث مع العراق، من العلماء والمفكرين والأكاديميين والمتخصصين في علوم دقيقة، سواء بالاغراء المادي، أو بالتهديد، أو بأوضاع إنسانية مزرية تضطر الصفوة بعدها إلى مغادرة العالم العربي نهائيا؟ ماذا لو تم تجنيد عشرات الآلاف على النت لاستخراج الأكاذيب واللامعقوليات والغث والضعيف والمهين من كتب تراثية تنتسب زورا وبهتانا للإسلام الحنيف، ثم شن حرب الكترونية غير عادلة باعتبار أن هذه من صلب الإسلام؟ هل يستطيع ضيوف الفضائيات من علماء التخدير والغيبوبة، ومحتالي المواقع الدينية والمشرفين على آلاف المنتديات المخاصِمة للعقل والمعادية للمنطق أن يتصدوا لتلك الحرب، أم أن الإسلام وًلِدَ غريبا و .. سيعود غريبا؟ ماذا لو بعث الله لشهر أو أقل صحابة رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ومعهم أهم رواة الأحاديث ومعاصري البعثة المحمدية، وقاموا بالتحاور معنا، ثم نفوا نفيا قاطعا جزءا كبيرا من تراثنا، وأنكروا أن تكون آلاف الأحاديث صدرت عن نبي الله الكريم، وتعجبوا استنكارا من كل المذاهب الاسلامية والطوائف والحكايات؟ ماذا لو حدث تغيير في دوران الكرة الأرضية، وأصبح الشمالُ جنوبا، والجنوبُ شمالا، وشمسُ منتصفِ الليل في الشرق الأوسط، وجبال الجليد تمتد من كينيا إلى فلسطين، وقيظ الصيف في القطب الشمالي، وطائر البطريق في جبال الأردن، والدب القطبي بالقرب من جبل المقطم، ويتجمع في الدمام والمنامة والبصرة؟ هل سيصوم المسلمون في السعودية خلال الصيف حيث لا تختفي الشمس ، ولا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أم سيفتي العلماء بما يناسب المشهد الجديد للكرة الأرضية؟ ماذا لو قام المنهزمون بكتابة التاريخ وأصدروا كتبا ووثائق، وسمح لهم المنتصرون أن يكونوا على قدم المساواة في المشاركة بكتابة التاريخ من الحروب الصليبية إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن إبادة السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية والشمالية وأستراليا إلى ما حدث خلال مئات الأعوام من حكم البيض في جنوب أفريقيا، وليس انتهاء بتفاصيل قرار البيت الأبيض ضرب هيروشيما وناجازاكي؟ ماذا لو عاد كل طاغية إلى الحياة ووقف أمام شعبه في محاكمة عادلة ومحايدة.. هتلر وموسوليني وستالين وسوموزا وسالازار وجنكيز خان وبول بوت وهولاكو وهتلر ، ترى مَنْ سيحاكم مَنْ: الشعب الذي سيتحمل مسؤولية الصمت والخنوع أم الطاغية الذي أنزل الرعب بمفرده في قلوب أتباعه؟ ماذا لو عاد الأنبياء والرسل لمعاينة أتباعهم لفترة قصيرة، وكتابة تقرير إلى السماء عما شاهدوا بأم أعينهم؟ هل سيتعرف كل نبي على قومه، ويفتخر بهم، ويتباهى بقوتهم وتقدمهم وأخلاقهم ورسالتهم النبيلة في الحياة وعلى الأرض أم سيتبرأ من أكاذيب أكثر أتباعه؟ ماذا لو عثرنا على سر شجرة العائلة صعودا حتى آدم عليه السلام؟ ترى من سيتجرأ على الكذب ويدّعي أنه لا تربطه صلة قربى ورحم بأي إنسان آخر في أي زمان ومكان؟ ماذا لو اختار الإنسان دينه ومذهبه وطائفته فور سقوطه من بطن أمه، هل كانت الطائفية والتعصب والكراهية ستختفي؟ ولا تزال في جعبتي آلاف من ( ماذا لو ..؟) أخشى أن أطرحها كلها!
.. التفاصيل
رئيس لبناني لا يتلقى الأوامر من دمشق
12:13 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
سفارة سورية في بيروت يتساوى بعدها السفير السوري مع سفراء نيبال وسوازيلاند والصومال وربما لاحقا جمهورية محمد عبد العزيز الصحراوية فهو أمر عجب، وحدث خََطَب! جاء حين من الدهر كان السفير السوري في عاصمة فيروز كالسفير الأمريكي في العاصمة الهاشمية، وكانت الدكتورة كونداليزا رايس تهبط سلالم الطائرة الأمريكية برشاقة فيستقبلها رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ورؤساء الكتل ( هل هناك لبناني لا يعمل رئيساً؟) وترحب هي بكل زعيم لبناني يختلف مع دمشق وطهران وغزة وهراري ، وكأن لبنان دار أبيها ، أو خيمة صديق أمريكا الجديد! الرئيس ميشال سليمان رئيس التوافق اللبناني في الدوحة، وهو رجل نزيه ومحايد وليس طائفيا أو معاديا لأي فرقة أو مذهب أو جهة غير وطنية في لبنان!
لبنان بلد الغرائب، فزعماء الطوائف فيه يتعاملون كأن كل واحد منهم يملك مفتاح الحرب والسلام في الكون كله، ويهددون، ويتوعدون فتظن الحربَ الأهلية على وشك العودة مجدداً. ما يميز لبنان أن كل دولة عربية يوحي جهاز إعلامها بأن لها الفضل الأكبر في الاستقرار والمصالحة وإعادة البناء، وأنه لو تَرَكت اللبنانيين لحال سبيلهم فسيصبحون أيتاماً من بعدها، فيخرج نصف اللبنانيين في استعراض قوة الطائفة وضعف الدولة، لتسمع طهران ودمشق، ويخرج النصف الثاني في استعراض آخر للتذكير بأهميتهم، وعدم اقصائهم! بعد قليل تنفجر سيارة ويذهب ضحيتها أحد المسؤولين الحزبيين، ولا تعلن أي جهة مسؤوليتها أو براءتها، فالمطلوب أن يخاف اللبناني من اللبناني، وإلا فكيف لنظام طائفي أن يعيش عشرات السنوات دون أن يستأنس بنار أو يتدفء بها، ثم يًلَوّح بها جحيماً للشعب إنْ لمْ يتصالح اللبنانيون؟
ليس المطلوب من الرئيس ميشال سليمان أن يحرر لبنان من سطوة السوريين والأمريكيين والمصريين والخليجيين والفلسطينيين والفرنسيين فقط، ولكن أن يحرر اللبنانيين من أنفسهم، ومن انتماءاتهم الضيقة إلى لبنان الأصغر .. الأكبر! الرئيس اللبناني الجديد حالة جديدة من الحياد، وشعبيته أكبر من شعبية كل زعماء الطوائف مجتمعين أو متفرقين، لكنه يقف فوق رمال متحركة من نظام محاصصة طائفي، تم تثبيته وفقا للمسافة بين اللبناني وبين الجنة. مهمة صعبة وشاقة نتمنى أن ينجح فيها رئيس كل اللبنانيين ميشال سليمان، وأن تبسط الدولة سيطرتها على كل شبر في لبنان، وأن يكون حياده قوةً وليس ضعفا، وأن يُنهي عصر مكاتب الاستخبارات العربية والغربية والأمريكية والاسرائيلية التي تعمل من بيروت. وعلى اللبنانيين أن يلتفوا حوله فهو الشرعية الوحيدة الحاكمة في لبنان.
.. التفاصيل
ليس لديّ ما أكتبه عن الفلسطينيين
12:11 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
1
تعليقات
الفلسطينيون نزعوا الروحَ من أقلامنا، فهم، كما تَعلّمنا، أصحابُ أطهر قضايا العصر، وأكثرها وضوحاً وجلاءً في معرفةِ الحق من الباطل، لكنهم الشعبُ الوحيد في العالم الذي منحته نسبة الديمقراطية بينهم وارتفاع مستوى التعليم عكس ما تمنحه للآخرين. ستون عاما تعلّم خلالها كل فلسطيني أن الاسرائيليين أعداء شعبه، وسارقو أرضه، ومغتصبو حقوقه، لكنه كلما زادت معرفته عاد إلى نقطة الصفر. كوارث ومصائب ومؤامرات خارجية وداخلية وحروب ومتابعات تجعل كل فلسطيني موسوعة متحركة في حقوق الانسان وقضايا وطنه وطرق العدو للايقاع به، لكنه لا يتعلم من تجاربه، وينشطر في كل حادث، ويتطاير أجزاء مبعثرة في كل مكان. فليتبادل إسماعيل هنية ومحمود عباس موقعيهما، وسنكتشف أم المصائب، أي سيرتدي أهل رام الله الزي الاسلامي، وستنبت لحية كثة، وتظهر زبيبة صلاة في جباه الرجال. أما غزة فسيعود الكازينو الكبير لفتح أبوابه منافساً لاس فيجاس، وربما تقام مسابقة ملكة جمال الشاطيء، ويقوم الرئيس الفلسطيني بتسليمها جائزة كبرى، وتقبيلها كأنها الدكتورة كوندي. الفلسطينيون ينتقدون قادتهم لكنهم في الواقع يطيعونهم أكثر من طاعة الشعوب العربية لأشد زعمائها طغيانا وبغياً وكفراً! ما معنى أن هناك فلسطينيين يشتبكون في شوارع بلدهم، وعلى مبعدة أمتار معدودة من عدوهم، كأن الرصاص الحَيَّ الذي ينطلق بكثافة قد وقّع أصحابُه عَقْداً بتحريم استخدامه ضد القوات الاسرائيلية! إذا تحدثتَ مع الفلسطيني على انفراد وجدت نفسك في مواجهة حالة وعي ويقظة ووطنية كأنك تلميذ في حضرة أستاذه. وإذا اجتمع فلسطينيون في وجود قيادة تحولوا إلى قطيع يهش عليها قائدهم، وتضيع الرؤية، ويُخَيّم سواد قاتم على كل ما يحيط بها! يعتبرك الفلسطيني مناصرا ومؤيدا وحاميا له، ورافعا علم بلاده، وجنديا مجهولا في حرب تحرير الوطن السليب. ولكن نفس الفلسطيني يعتبرك خصما ومناوئا ومنحازا للعدو الصهيوني لو كان في جماعة أو فصيل أو في حكومة مؤقتة أو وطنية أو متمردة! تجارب الفلسطينيين في الكويت والعراق والأردن ولبنان ومصر وليبيا وسوريا لم تضف إلا أصفاراً على الشمال لوعيهم بقضيتهم، ولذكائهم في التعامل في الصراعات الداخلية. ينجح الفلسطيني في سنة أولى سياسة أو يرسب، فسيعود إلى السنة الأولى مرة ثانية وثالثة وعاشرة، وهو على استعداد لأن يطلب من خصومه التوسط، ويثق في زعماء تحالفوا مع عدوه ضده. فلسطينيون لو خرجوا مع عائلاتهم وأطفالهم دون حمل أي سلاح، وتوجهوا بملايينهم ناحية عدوهم المستوطن أمام أنظار العالم لمنحتهم إسرائيل أكثر مما يطلبون، لكنهم يطلبون وساطة مَنْ أغلق في وجوههم المعبر تلبية لرغبة إسرائيلية!
.. التفاصيل
النرويجيون .. وجنون السفر
12:09 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
هنا في النرويج إذا التقيت جارك أو شخصا لم تره منذ فترة أو صديقا بعد عطلة أو صاحبا ولم تتحدثا عن المناخ والجو والمطر وشعاع الشمس الذي يطل على استحياء أو كثافة الجليد فلابد أن يسأل أحدكما الآخر عن السفر!
إذا تصادف وشاهدت جارتك تركن سيارتها بجانب سيارتك ولم تكن قد رأيتها لعدة أيام فستقفا معا تتحدثان عن آخر رحلة لك أو لها، ثم ينتقل الحديث إلى الخطة المستقبلية للسفر في العطلات الثلاث القادمة!
ستقول لك بأنها قضت أسبوعين في أثينا، واستمتعت بأشعة الشمس ورحلة بحرية وتناولت الطعام اليوناني في جزيرة جميلة، ثم تردف قائلة: أما اليومان الأخيران الرحلة فقد هبت عاصفة خفيفة، فمكثنا في الفندق حتى موعد العودة.
تنتظر حتى تكمل حديثها لتقول لها بأنك قضيت ويك إند في لندن لأنك عثرت مصادفة على تذكرة سفر على الخطوط الجوية الإيرلندية ( رايان إير) بثمن بخس كأنها بطاقة سفر مجانا.
لكنك تفكر في العطلة الخريفية للمدارس في جزيرة مايوركا الإسبانية.
تبتسم جارتك وتقول لك بأنها قضت أسبوعا هناك وقد أصبح المنتجع السياحي الإسباني مستعمرة ألمانية حتى أنك تشتري في الصباح الباكر صحيفة فرانكفورتر تسايتونج في نفس موعد بيعها في أكشاك المدن الألمانية!
تذهب إلى عملك وتسأل عن زميلك في المكتب المجاور فتعرف أنه في رحلة إلى سوسة التونسية أو نيويورك أو يقضي مع أسرته أسبوعين في نيس.
تفتح صحيفة آفتين بوسطن فتطارد الإعلانات عن السفر عينيك بكل الأشكال والألوان والخطوط والأسعار مع صور وضعها متخصصون في فن الإعلان الذي يداعب خيالك ويتسلل إلى جيبك وحسابك ليقنعك بأن ميزانيتك التي أرهقتها ثلاث رحلات هذا العام قادرة على الرابعة والخامسة قبل عطلة الكريسماس!
تتصل بشركة أو مطبعة أو مصنع أو مكتب في الثلث الثاني من يوليو فيقال لك بأن ( العطلة الجماعية بدأت)، وكل العاملين قد سافروا بحثا عن الشمس، ويمكنك إعادة الاتصال في أوائل أغسطس.
ويتعجب محدثك من أنك لست على سفر!
يبدأ اليوم الدراسي الأول في منتصف أغسطس، ومن الصف الأول الابتدائي إلى طلاب الثانوية العامة يكون الحديث كله عن السفر، والعطلة والأماكن الساحرة في العالم.
تدخل المُعَلّمة وقد أشرق وجهها بلمعان لا تخطيء العيون أنه من شمس الجنوب، وبعد دقائق تكون قد بدأت في توجيه الأسئلة للتلاميذ عن الأماكن التي قضوا فيها عطلاتهم، وتختلط الأصوات والمدن والأسماء فتسمع جزيرة كريت اليونانية، إزمير التركية، أغادير المغربية، فينيسيا الايطالية، كوستا دي سول الاسبانية، ولكن هناك من سافر مع والديه، أو مع والدته وصديقها الجديد وأولاد الاثنين إلى تايلاند وجزر الكاريبي ودزني لاند ونيو مكسيكو!
وتقول المُدَرّسة بأنها قضت نصف عطلة الصيف في شاليه فوق الجبال بغرب النرويج أو شمالها، وقامت برحلة صيد، لكنها ستسافر في الخريف لزيارة صديقة لها تقيم في دبي.
الحياة في النرويج لا تستقيم بدون السفر، والطاقة يستمدها النرويجي من رحلتي الصيف والشتاء، لكن الخريف أيضا له عطلته المدرسية التي تستبق عطلة نهاية العام قبل الاستعداد لعطلة الشتاء، ناهيك عن عطلة عيد الفصح والعيد الوطني.
كانت الأسبقية منذ عشر سنوات لليونان وجزرها، كريت ورودس وقبرص وآيا نابا ثم سبقتها إسبانيا وبعض المدن الساحلية الفرنسية وجنوب إيطاليا.
لا يزال الأجانب في النرويج يفضلون عطلاتهم إلى بلادهم مع استثناء طالبي اللجوء السياسي من العراقيين والايرانيين والسوريين والأفغان.
بوجه عام رغم أن الأجنبي الذي يحمل الجنسية النرويجية ولا يقل مستوى معيشته عن نظيره النرويجي يرى في السفر رفاهية أكثر من متعة وراحة وفترة التقاط الأنفاس .
تسير في شوارع منطقة جرنلاند فتظن أن العرب والأفارقة والفيتناميين والأتراك والإيرانيين والهنود والبنغال والسريلانكيين قد احتلوا القسم الشرقي من أوسلو، لكنك تستقل طائرة شارتر متوجهة من أي مدينة نرويجية إلى منتجع سياحي فلا ترى إلا وجوها بيضاء عليها عيون زرقاء ويزين رؤوسها شعر أصفر ذهبي، فالمغتربون السمر يبني الأثرياء منهم بيوتا في بلادهم ويشترون عقارات، أما الفقراء فيعيشون على الضمان الاجتماعي.
فلسفة السفر قائمة على تحسن مستوى معيشة النرويجي في العقدين الأخيرين، واعتبار شدّ الرحال إلى الخارج تقليدا جديدا يتبارى في الحديث عنه كل الناس في كل الأوقات وتحت أي ظروف!
أما متعة التفكير في هدوء ما بعد التقاعد والمعاش والمرحلة الأخيرة من الحياة فغالبا لا تخرج عن تخيل سكن لائق قريب من البحر في جزر الكناري أو يوريت دي مار الإسبانية فالعظام التي أرهقتها فصول الشتاء القارص الطويلة تحتاج إلى ترميم بدفء الشمس، وراحة على الشاطيء مع كتاب انتظر طويلا من يقرأه!
والمعاش الذي يحصل عليه النرويجي من عمله يسمح بمعيشة كريمة في جنوب أوروبا، فهو لا يتأخر يوما واحدا عن حسابك في البنك، ويزداد في كل عام مع زيادة الأسعار وارتفاع مستوى الدخل لدى الذين لم يتقاعدوا بعد.
عندما تسأل طفلا نرويجيا لم يبلغ العاشرة من عمره عن الأماكن التي قام بزيارتها فربما ينتهي العدُّ على أصابع يديه الصغيرتين قبل أن يسرد عليك أسماء المدن والمنتجعات السياحية التي قام بزيارتها مع أسرته، فضلا عن مدن الملاهي والألعاب المائية وسيارات الرالي!
يأتي موزع الصحيفة اليومية ويقذف بها أمام شقة كل مشترك في بيوت المنطقة كلها، ثم يعود في اليوم التالي ومعه صحيفة الصباح فيكتشف أن صحف الأيام السابقة لم تتحرك من مكانها، فالمشترك عثر على تذكرة سفر بثمن زهيد تشمل الاقامة في فندق فاخر على شاطيء البحر في الجنوب!
والنرويجي يحدثك عن أسماء منتجعات سياحية لم تعلمك إياها كتب الجغرافيا وخرائطها، لكن شركات السفر والسياحة اكتشفتها كما اكتشف كولومبوس العالم الجديد!
.. التفاصيل
حيرة الصائمين مع شمس منتصف الليل
12:08 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 3 أكتوبر 2008
ستة وعشرون عاما مرّت منذ أن تلقت سفارة مصر في أوسلو فتوى دار الافتاء التي أصدرها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، رحمه الله، ومعه عشرة من العلماء بجواز صوم مسلمي النرويج في المواعيد المتقاربة من العالم الاسلامي. وبعد الفتوى بثلاث سنوات كان لي حديث مطول مع فضيلته عندما أصبح شيخاً للأزهر الشريف، وكان ذلك على هامش المؤتمر العالمي للمساجد بمكة المكرمة، وأكد لي خلال اللقاء تمسكه، رحمه الله، بالفتوى. هل رأيت مسلما ينتظر على أحرّ من الجمر موعد غروب الشمس ليلقي بنفسه على مائدة طعام زيّنها له خياله طوال ساعات الصوم الطويلة؟ وفي الشمال النرويجي يطول النهار هذا العام فلا يتمكن إلا القلة النادرة من صوم شهر رمضان المبارك. العام القادم يطول النهار، وبعد ثلاثة أعوام يأتي شهر البركة في منتصف الصيف، أي على المسلم أن يؤجل العمل إن كان يعمل في المساء، وأن يترنح من التعب والارهاق فتيان وفتيات المسلمين الذين تعلّموا لتوّهِم أهمية الصوم في سن الثانية عشرة، فإذا هو عذاب شهر كامل، لا يستطيع طفل مازال جسده في طور النمو أن ينتظر حتى يتم الصيام إلى الليل فهو لم ير خيطا أبيضَ يتبين من خيط أسود من الفجر. وماذا عن العمل، والمدرسة، وساعات النوم، ونشاطات التلاميذ بعد الفترة الدراسية التي لا يمكن الاستمرار فيها قبل أن يغادرنا رمضان الكريم في زيارته السنوية؟ العقل والنقل يتصارعان، والمسلم يظن أن الأوامر الالهية تتعلق بالكسوف والخسوف والشمس والقمر والضوء حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يريد أن يفهم أنها مواقيت في عصرها حتى يكتشف المسلمون مواقيت جديدة تحددها عقارب الساعات والدقائق والثواني! لأول مرة منذ ربع قرن تبدأ الشكوى بصوت مرتفع، فهناك جيل ثالث من المسلمين يعرفون أنهم نرويجيون، وأن عليهم تفسير الصوم لأقرانهم، وأنهم على مسافة زمنية ومكانية طويلة من علماء الاسلام. هل قُدّرَ لك وشاهدت أسرة مسلمة ينظر أفرادها إلى ساعة الحائط في كل دقيقة، ويتضور أطفالها الصغار جوعا وهم الذين بدأوا الصوم صغارا ، وربة البيت تترنح من الارهاق وهي تُعدّ طعام الافطار قبل منتصف الليل بساعتين؟ يتندر أهل البلد هنا علينا، ويتعجبون من شهر تتراجع فيه انتاجية المسلم إلى الربع، وتتوقف الحياة تماما قبيل الافطار بساعتين أو ثلاث! وعندما يهل علينا شهر رمضان المبارك في منتصف الشتاء، ويصبح الصوم كأنه سويعات قليلة بين وجبتين، وفي الشمال تختفي الشمس، ولست بحاجة إلى أن تتم الصيام حتى الليل، فنهارك ليل أيضا! في العام القادم سيحمل هَمّ شهر الصيام كثيرون قبل موعده بوقت طويل، والعقل يتراجع أمام النقل، والاسلام الحنيف يطلب منا أن نفكر، ونتدبر، ونقيس أمورنا وفقا لزمننا، وأن نفهم المعاني السامية للعبادة. لكن المسلم الذي يتناول افطاره في مواعيد متقاربة من العالم الاسلامي يقرع ضميره ويؤنبه وهو يفطر والشـمس ساطعة إن جــاء شهر رمضان في منتصف الصيف، ويفطر والظلام يخيم إن حضر شهر البركة في منتصف الشتاء. حيرة، وتردد، ومشاحنات مع النفس، ومصالحة مع العقل ما تكاد تستكين إلى السلم حتى يباغتها النقل مرة أخرى فلا تعرف أيّ إسلام يريدون؟ تزمت مخيف يلوح بالدين كأنه أمر بالاعتقال أو التعذيب حتى أن أحد الشيوخ هنا قال في فتوى بأن المسلم الذي يضبط منبه الساعة على موعد الذهاب إلى العمل، وليس على موعد صلاة الفجر سيلقي به الله في جهنم إن مات وهو نائم في فترة ما بين صلاة الفجر والذهاب إلى العمل! كيف إذن ستقنع هؤلاء بأن الخيط الأبيض والخيط الأسود والليل كان لزمن لم يعرف دقات الساعات السويسرية، وأن الله العلي القدير العزيز الرحيم لا ينتظر من العبد سجودا وركوعا ودعاء وفقا للنظام الشمسي أو القمري. المسلمون في النرويج في حيرة شديدة وأنا أزعم أنه لن تمر عشر سنوات أو أكثر بقليل حتى ينفصل الجيل القادم تماما عن الاسلام إن لم يسارع عقلاء الأمة بفتح باب الاجتهاد، وبالتوقف عن اهانة العقل والرأي والفكر والنقاش والجدال بالتي هي أحسن. قضيتنا ليست في اقناع المسلم المغترب بالايمان، ولكن في جعله يحب شعائر هذا الدين الذي ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، في دينه، إلا اختار أيسرهما، ولا يزال البحث جاريا عن عقلاء الأمة!
.. التفاصيل
الحقيقة .. أن الكبار صغار
12:06 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 9 أكتوبر 2008
أحياناً أمنع نفسي من مشاهدةِ برنامج تلفزيوني حواري خشية أن يصدمني الكبار وهم يتقزمون أمام السلطة، ويحاولون توطيد العلاقة بمزيد من الأغلال في أعناقهم أو في ألسنتهم! في السنوات العشر المنصرمة تملّكني حزنٌ شديدٌ علىَ كبارٍ ما تمنيت أنْ أراهم بمثل هذه الصورة، ووددت أن يعود الزمن بي قبل اللقاء لعلي احتفظ بهم في مكان لا يقترب منه أحد ولا يرتفع فوقه إلا القليل.
شاهدت فيلم (هي فوضى) في سينما أوديون اللندنية بمنطقة ماربل آرش. وكانت القاعة مكتظة بوجوه عربية وإعلاميين ومثقفين وعاشقي الفن السابع. بعد انتهاء العرض تقدم الفنان خالد صالح الذي لعب دور الصول حاتم، وشكر الحاضرين ثم انصرف. على بوابة الخروج تجمع حوله عدد من المعجبين، وأخرجت من حقيبتي كتابي الثامن ( وقائع محاكمة سيد القصر ) لأهديه إياه، ففيه مقالات كثيرة عن الشرطة والأمن والسجون والمعتقلات والفساد. انتظرت دوري، فسألني منْ كان واقفا بجواري: هل تريد أن تهديه هذا الكتاب الذي بين يديك؟ أجبت بالايجاب، فسألني عن عنوانه: قلت ستراه بعد قليل في يد الفنان خالد صالح. قال لي: هل هو كتاب في السياسة؟ قلت: نعم، فرَدَّ ناصحاً: مادام في السياسة، فأرجو أن لا تقدمه هدية له. سألته : من أنت؟ قال: مدير أمن الفنان! قلت له: وماذا لو كانت رواية؟: قال: في هذه الحالة يمكنك أن تقدمها له. غضبت غضبا شديدا، وعاتبته قائلا بأن هذه النصائح تصلح لو كنا خارجين من دار عرض سينمائية في بلد عربي، أما في لندن فأزعم أن الأمر مخجل جدا. تقدمت من الفنان الذي لعب بمهارة شديدة دورا يجسد تجاوز رجال الأمن، وأهديته الكتاب قائلا: ستجد فيه ما جسدته في الفيلم رغم أن مدير أمنك رفض أن تقرأ في السياسة! شكرني مع ابتسامة باهتة، وقبل أن أتركه قام بتسليم الكتاب لمدير أمنه أمامي، وكأنه أراد أن يقول لي بأن ما رأيته على الشاشة يتناقض مع الواقع!
منذ سنوات استعنت بواحدة من أكبر رموز الإعلام المصري لحل مشكلة، حتى أنها قالت لي بأنها تستطيع أن تقلب البلد رأسا على عقب لقناعتها بعدالة القضية. في المكالمة الثانية مع طرف يمثلني هناك، في مصر، سألته الإعلامية عن أوضاعي المادية في النرويج وعن امكانية دفع مبلغ كبير لكي تثير القضية في وسائل الإعلام. ولما علمتْ أنني لن أدفع شيئا، بدأتْ في التهرب، ورفضتْ أن تتسلم مني رسائل بالفاكس، وطلبت مني أن لا أرسل إليها ( طائر الشمال ) فهي لا تقرأ إلا قليلا! قلت لها هاتفياً: لكنني فهت أنكِ تناقشين ضيوفك أحيانا في كتب صدرت لهم! وهنا كانت الصدمة لي فقد نفت نفيا قاطعا وقالت لي بأنها تتفق مسبقا مع الضيف وتقول بأنها قرأت الكتاب، لكن الحقيقة أن الضيف الكاتب هو الذي يلخص لها قبل البرنامج فحوى كتابه!
تقدمتُ بأدب جم إلى نقيب الصحفيين المصريين في بهو فندق عاصمة خليجية، وسألته إنْ كان قد تسلم الكتابين اللذين أرسلتهما إلى غرفته؟ قال لي: لقد أرسلتَ إلي قنبلتين! سألته مازحا: إنها كتابان أحسب أنك الإعلامي القدير ستسعد بهما! قال لي: أنا لا أقرأ هذه الأشياء الخطيرة، ولا أحملها معي في أي مكان، ولن أعود بالكتابين لمطار القاهرة! قلت له: ولكنك إعلامي ومثقف وقاريء ونقيب الصحفيين المصريين، فكيف تخشى قراءة كتابين لصحفي مثلك؟ قال لي بحسم وكأنه يريد أن يهرب خشية أن يراه الاعلاميون الآخرون معي: قلت لك بأنني لا أقرأ هذه القنابل التي أرسلتها إلى!
في عاصمة خليجية أخرى قالت الزميلة مها طه، الاعلامية اللبنانية موجهةً حديثها إلى بعض رؤساء ومحرري الصحف المصرية: لماذا تديرون ظهوركم لزميلكم محمد عبد المجيد كلما رأيتموه قادما؟ رَدَّ أحدهم وقد أحمر وجهه خجلا: لأنه ينتقد بشدة السيد الرئيس! على الغداء كنت أجلس مع مدير تحرير صحيفة نصف معارضة، فحكيت له ما حدث، فكان صريحا جدا معي، وقال بأن كثيرا مِنّا، نحن الصحفيين، يكتبون تقارير أمنية ضد كل من يناهض السلطة، فالصحفي رجلُ أمن قبل أن يكون حاملَ قلم!
اقتربت منها فهي رمز للإعلام الملتزم العتيق، وسلمت عليها، وامتدحت لغتها العربية الرصينة التي أسعدتنا سنوات طويلة. كان وجهها يوشي بطيبة رغم تجاعيد رَسَمَها العمرُ الطويل على وجهها المشرق! بعد أقل من ساعتين كانت قد التقت مجموعة من الاعلاميين، ورفضت بعد ذلك طوال يومين أن تتحدث معي، فقد همسوا في أذنيها، وظهر إثرها شبح السلطة أمامها!
تعجبني الفنانة يسرا في أدوار كثيرة قامت بها، لذا ترددت قبل أن استمع لحوار تلفزيوني معها، ومع ذلك فقد جلست أمام الشاشة الصغيرة. فجأة سمعتها تقول بأن السيد الرئيس هو الوالد العطوف الرحيم المنشغل بنا جميعا، وامتدحتْ فيه حتى ظننتها ستؤمن برسالته كأنه نبي العصر.تخيلت نفسي بُعَيّد حديثها في المعتقل وقد مرت خمس عشرة سنة وأنا خلف القضبان دون محاكمة، وقد كبر أولادي من وراء ظهري دون أن أحتضن أيا منهم ولو لبرهة!
مثقفون وإعلاميون ووطنيون وقضاة ومستشارون ووجوه وطنية شرّفت مصر بأدوارها الرائعة يرفضون جمال مبارك وريثا لعرش مصر، لكن الفنان القدير عادل إمام والزعيم على الشاشة والذي أسعدنا لثلاثة عقود، وأدخل البهجة في نفوسنا، يقف منتصبا ويتحدى مصر كلها مؤيدا ابن الرئيس ليكون الرئيس الابن!
في ذهني عشرات الحكايات عن كبار الكبار وقد تسببوا في صدمات متلاحقة لي، وكلها تقريبا كانت بسبب التقرب من السلطة، والتزلف لسيد القصر، والوقوف مع خصوم الشعب.
تذكرت رئيس تحرير أهم صحيفة مصرية وهو يستفسر من صدام حسين عن حب المصريين له واعتباره محاميهم، وتناسى الاعلامي الكبير جثث 4800 مصري قام رجال طاغية بغداد بتصفيتهم، دون أن يحتج الكبار الصغار خشية الأكبر.. ولعلنا نكتشف أنه الأصغر، وحينئذٍ لن تكون الصدمة كبيرة!
.. التفاصيل
الفتاوى في السعودية .. تجارة الحرام
12:05 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 10 أكتوبر 2008
صناعةُ المتفجراتِ ليست فقط في مصانع الأسلحةِ أو معامل خبراءِ الجيشِ، لكنَّ هناك متفجراتٍ أشدّ فتكًا، وأعظم خطرا. إنها مصانعُ الفتاوىَ التي تمكنتْ من صُنع خمسة عشر سعودياً مِنْ تسعة عشر قاموا بتفجير البرجين التوأمين ففتحوا للماردِ المتعطش ِللحرب كلَّ الطرقِ للوصول إلى العالم الاسلامي ولو عن طريق جبل تورا بورا أو من بعقوبة أو من أسطول يُعَكّر صَفْوَّ مياهنا الدافئة. هل سمعت عن العبودية المختارة؟ إنها تلك التي تُسَهّل للطاغية أو الحاكم أو المستبد أو الاقطاعي الوصولَ بسوطه أو حذائه إلى ظهر أو رقبة رقيق سعوّا إليه قبل أن يستعبدهم، ووضعوا جباهَم تحت قدميه دون أن يُلَوّح لهم بقبضته أو عصاه أو كلابه. لكن هناك عبوديةً مختارةً لم يعرف لها تاريخُ الاسترقاقِ مثيلا! عبودية قائمة على البحث عن كل شاردة وواردة واشارة ولمسة ولمحة وسلوك فيستفتي المسلمُ فيها لتأتيه فتوى جاهزة قبل أن يرتد إليه طرفه. علاقة عجيبة ومسحورة تجمع المُفْتّين والذين يستفتون، فإذا هي في واقعها وحقيقتها لذتان سادية ومازوخية ، يستعذب فيها الثاني قسوة الأول، ويستمتع الأول بمسكنة الثاني ومهانته ومذلته! تلك هي عبودية الفتوى! لا أتحدث عن مئات أو آلاف منها، لكنها بعشرات الآلاف إنْ التزمتَ بها فيمكنك أن تخرج من بيتك وتترك رأسك في الدار، ثم تعود دون أن يتغير شيء، فالفتوى تفكر لك، وتسير أنت بها، وتعمل، وتأكل، وتنام، وتخاطب الناس، وتسمع، وتشم، بل تدخل الحمّام أو تجامع زوجتك، أو تسهر ليلا، أو تصلي والشمس ساطعة، أو تقف ذبابة على طبق طعامك، أو تتسلل نغمة خفية إلى أذنيك ( سأل مسلمٌ مفتيًا عن الإثم الذي سيصيبه إنْ تناول الطعامَ في مطعم، ثم فجأة تسللت موسيقى من حيث لا يدري!). لو اجتمع كل المستبدين والطغاة الذين أنجبتهم الأرض منذ بدء الخليقة وقاموا بتقييد المسلم، فلن يفعلوا مثلما تفعل الفتاوى الحديثة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ولا حلما ولا كابوسا ولا خيالا إلا طاردته، وقبضت عليه متلبسًا بجريمة الهروب منها. ستقول بأنه ليست هناك فتوى لإختيار الكلية بعد الثانوية العامة، ولا لشراء جهاز فيديو كافر، ولا لإستخدام مفتاح السكن ووالدتك في الداخل، وليست هناك فتوى للبعثة التعليمية، وشراء تذكرة السفر، وارسال حوالة بريدية، والاستماع رغما عنك لنغمة محمولك! معذرة، فهذا ليس صحيحا بالمرة، فقد استفتى المسلمُ فيها كلَّها وفي أكثر منها فالمسلم يسأل عن الخَلّ، وعن شرب حليب الناقة ليلة الدُخلة، وعن وضع جهاز تسجيل في القبر ليسجل فحيح الثعبان الأقرع! كأن فتوى قتل مالكي الفضائيات جديدة، أو أنها مفاجأة للساذجين فالحقيقة أنها خرجت للعلن حديثا مثلما خرجت فتاوى رضاعة الكبير وتحسس أجساد الصغار والزواج من طفلة فضلا عن كل أنواع الزيجات المزاجية والتي تبدأ بزواج عجوز من طفلة في فندق يمني، ولا تنتهي بنصف مليون زيجة عرفية لطلاب الجامعات المصرية في مقابل نصف مليون مدمن مخدرات غيّبتهم أو أيقظتهم الصحوة الدينية الملحَق بها فتاوى أكثر من حبات شواطيء متوسطنا الذي يترأسه نيكولاي ساركوزي! كتبنا .. وكتبنا .. وكتبنا لسنوات أنَّ عالمَََ الفتاوى الفجّة هو الأخطر على المملكة العربية السعودية، بل إنه يحمل في طياته الانفجارَ الكبير، ويُعَبّد الطريقَ لانتفاضة، ويمثل أكبر تهديد لآل سعود منذ تولّيهم حُكم البلاد. الجيل الثالث في طريقه إلى تسلم مقاليد الحكم، وهؤلاء الذين تعلّّموا في الغرب لن يهادنوا المؤسسة الدينية، ولن يحنوا رؤوسهم للمطاوعة، لكنهم ينتظرون ساعة الصفر التي تُنهي عصرَ الكبار .. أبناء المؤسس الأكبر، ويبدأ عهد سعودي جديد، إما أنْ يستمر أباطرة الفتوى بخنق الشعب السعودي فتنفجر الدولة، أو يُلغي الحكامُ الجدد من الجيل الشباب اتفاق الجنتلمان المعقود بين آل سعود وآل الشيخ. اختارت السعوديةُ المنافقين والأفّّاقين والمتزلفين والمؤلفة قلوبهم ليتحدثوا باسمها، ويتولّوا تلميعَ صورتها، ويحللوا بغباءٍ وسطحية ساذجة انتقادات قوى المعارضة فيؤذون موكليهم ويرفعون من شأن كل معارض! أمّا أنْ تصدر فتوى بقتل صالح كامل ووليد بن طلال والابراهيم وقطعًا كل من أسهم في الفضائيات من الأمراء والشيوخ فهي بداية النهاية، ومن المتوقع أن تصدر فتوى بتحريم ركوب الطائرة لأنها تُحَلّق فوق مُدُن كافرة يشرب أهلُها الخمرَ، وتحريم ركوب القطارات لأنها تسير فوق قضبان ثابتة، والثابت هو الله، وفتوى بتغيير اسم مطار الملك خالد بن عبد العزيز، لأن الخالد هو الله، وفتوى بتحريم زيارة المدينة المنوّرة قبل أن يعود إليها اسمها الحقيقي ( يثرب)، وفتوى بتفجير كل محل وبيت وقصر في السعودية يكون به جهاز ستالايت أو فيديو أو مزامير الشيطان( أي آلات موسيقية) أو تلفزيون، وفتوى بتحريم فتح صنبور المياه في البيت قبل صلاة الاستسقاء في كل مرة، وفتوى لا تجيز للمرأة خلع ملابسها لدى الاستحمام لأن الذكور من الجن سيشاهدونها، وفتوى بالتأكد من نسب كل طفل في المملكة خشية أن يكون الوالد جِنّيّاً أو عِفريتاً انزلق في فراش الزوجية ( هذا ليس هراءً فقد سألت احداهُن هذا السؤالَ وتظن أنَّ مَنْ جامعها عفريتٌ من الجِنّ وكان زوجها يغط في نوم عميق). من أراد أن يهز رأسه صعودا وهبوطا فليفعل، أو يمينا ويسارا ( كما يفعل الهنود والبنغال)، ومن أراد أن يبكي دموعا أو دَمَاً فقد تُطَهِره، لكنها لن تُحرك ساكنا، فكل أعاصير وفيضانات وتسوناميات وجوستافيات الدنيا كلها ستصغر بجانب الانفجار الكبير والذي لن يحتاج إلى تخصيب، فقد قام أباطرة الفتوى بتخصيبه أمام أعيننا وبلاهتنا وحماقتنا لأكثر من ثلاثة عقود. من كانت في قلبه ذرة إيمان باقية لهذا الدين الحنيف فليقف أمام أشد أعدائه صلابة وبأسًا.. أمام عالم الفتاوىَ الفجّة والساقطة والمتخلفة. لو أرسلتْ إسرائيلُ مئةَ ألفِ نسخة من إيللي كوهين إلى العالمين العربي والإسلامي لما نجحت مثلما نجح أباطرة الفتوى في هزيمة الإسلام والمسلمين،فهل لا يزال بيننا عاقلٌ واحد؟
.. التفاصيل
المَلَكان والرئيسُ الأمريكي يدوّنون أعمالَك
12:03 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 29 سبتمبر 2008
العم سام سينافس المَلَكيّن دونما حاجة لأنْ يكون عن اليمين وعن الشمال قعيد! بعد سبع سنواتٍ من حرب الرئيس الأمريكي ضد ما سمّاه الارهاب ، توصّل الأمريكيون إلى اتفاقٍ مع الاتحاد الأوروبي يسمح بالحصول على المعلومات الشخصية لكل فرد في أي مكان يشير إليه جهاز الاستخبارات الأمريكية. وحيث أن النرويجَ عضوٌ في المنظومة الاقتصادية الأوروبية فهي ملتزمة وِفقاً للاتفاق مع الاتحاد الأوروبي بالانصياع لاتفاقات أمنية ومالية وعسكرية يجريها الاتحادُ مع القوى الأخرى. الآن يمكنك أن تقوم بتحويل مبلغ من المال من حسابك في دبي أو الرياض أو جنيف أو الدوحة إلى بنك وستمنستر أو البنك الهولندي العربي أو شركة استضافة لموقعك على الانترنيت أو لشراء أدوية من السويد أو لدفع نفقات علاج والدتك في باريس. ولكن لا تنس أنَّ كلَّ حركةٍ انتقل بها المبلغُ من مكانٍ إلى آخر سقطت المعلوماتُ عنها في كمبيوتر سَيّد العالم حتى لو اشترى مسؤولٌ فلسطيني كبيرٌ ملابسَ داخلية باهظة التكاليفِ لزوجته أو عشيقته من أحد بيوتات الأزياء في تل أبيب. 700 جهة تراقبك في النرويج وتستطيع أن تُحصي أنفاسك وتعرف ما في جيبك، وتتنبأ بمشترواتك صباح يوم السبت، أو بالمواقع التي تقوم بزيارتها على النت، أو بمكالماتك الهاتفية. هل تتذكر عندما قامت السلطات العراقية في عهد صدام حسين باعتقال مواطن استخدم كلمة ( لاسلكي ) في حديث هاتفي بريء؟ هذا المواطن محظوظ لأنه لم يعش عهد ما بعد سقوط البرجين التوأمين وبامكان جهاز الرقابة الأمريكي أن ْيدخل على ( السويفت ) الموجود في بلجيكا والذي يحصي انتقال الأموال لأكثر من ثمانية آلاف مؤسسة مالية تغطي تقريبا 200 دولة وكل مصارفها وحسابات عملائها! هنا في النرويج وبلمسة إصبعٍ رقيقةٍ يصحبك عالَمُ الديجيتال إلى سجنك الأكبر، فالمعلومات تتدفق من كل صوب وحدب، من طبيب الأسنان، ومن عملك حيث تم تحويل مرتبك، ومن سائق التاكسي الذي دفعت له كرديت، ومن شركة السفريات التي تحتفظ بالمعلومات عنك خمسة أشهر، ومن الخطوط الجوية التي تبعث قبل وصولك إلى الجهة المتوجه إليها بكل المعلومات عنك، ومن روشتة الدواء التي تستخدمه، ومن أكثر مواقع النت زيارة، ومن كاميرات المراقبة لسيارتك في أي مكان. جاء حين من الوقت رفضت سفارةُ واشنطون في العاصمة النرويجية منح تأشيرات دخول لكل المشتركين في صحيفة ( كلاس كامبن ) الشيوعية ، فقد تم تسريب أسمائهم إلى السفارة الأمريكية. أما الآن وبعد عقد الاتفاقية ستكون عارياً كما ولدتك أمُّك، فالسلطات النرويجية مضطرة ٌلأنْ تستجيب لطلبِ السفارةِ الأمريكيةِ بمدّها بكل المعلومات عنك حتى لو حجزتَ تذكرةً لزيارة ديزني لاند مع زوجتك وأولادك في مكتب سفريات هندي وعلى الخطوط الجوية المجرية! إذا سقطتَ مرةً واحدةً فإنَّ صحيفةَ سوابقِك ستجعلك تتمنى أنْ تحتضنك حفرةٌ ضيقةٌ لا يتعرف عليها الحانوتي لو عاد إليها مرة أخرى. كل ما فعلته في حياتك ولو كنت متخفياً وأنت في ملهى ليلي في لندن، أو حجزت تذكرة ًفي قطار متهالك من كراتشي إلى بيشاور، أو دخلت على مواقع إنترنت إباحية في غرفتك حيث تظن أن الشيطان الأكبر، كما يسميهم جيراننا على الضفة الأخرى من شط العرب، غافلون عنك. كل ما تفعله حتى لو عبثت أصابعك بالكي بورد في لوبي الفندق الذي تقيم فيه، أو تغيير الكود، أو الرأي الذي كتبتَه في منتدى إسلامي على النت وقلت َفيه بأنك لم تحزن على ضحايا الحادي عشر من سبتمبر، وحتى اللقاء المصادفة الذي جمعَك على مقهى في روتردام مع مصري ويمني كانا يحاربان في كابول، سيخرجه له سيّدُ البيت الأبيض يوم قيامتك الأرضية، ويوم تُعرض أعمالك على السي آي إي! سيدهشك أنَّ أرشيفاً كاملا لقراصنة ِالبحرِ على الساحل الصومالي يقرأه الآن عسكريون لا يعرفون الفارق بين الصومال وإثيوبيا، أو بين مقديشيو ونواكشوط. إنها ليست فيس بوك حيث تكتشف زميلا لك كان يجاورك في الصف الثالث الإبتدائي بمدرسة قاسم أمين، وليس تقريراً صادراً عن المخابرات الأردنية أو السورية أو التونسية باشتراكك في تظاهرة في بروكسل ضد أنظمة الحكم فيها، وليست معلومات خطفها هاكرز من جهازك ووقعت في أيدي أمن الدولة ببلدك، لكنها حسابٌ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. حسابٌ لا يسجّل فقط ما تنطق، لكنه يدخل إلى قفصك الصدري، وهو يتعرف على بصمتك في جواز سفرِك ولدى مرورك في المطار، واسمك المستعار في كل المنتديات فضلا عن IP لحاسوبك. الحادي عشر من سبتمبر كان يومَ جحيمٍ لم يعرف صانعوه أنهم عجّلوا في غضبٍ لم يحسبوا حسابَه، ولم يفكروا في قياس درجتيه الدنيا والقصوى. يحدثونك عن النصر الاسلامي، وأنَّ الأمريكيين بدأوا يتعرفون على خاتمة الديانات السماوية، وأنَّ هناك عشرات الآلاف من المواقع الدينية تحارب بضراوة الصليبية الحاقدة، وأنَّ رايةَ النصرِ سترتفع فوق كلِّ شبرٍ من الكرة ِالأرضيةِ وربما الكواكب التي لم يكتشفها العلمُ بعد. إنهم كاذبون فهي معركة فرضَتها علينا أجندةٌ متخلفةٌ ووجدتها أجندةٌ منحازةٌ فرصةً تاريخيةً للقضاءِ على الخطرِ الأخضر. وحتى لو انتصرت طالبان المتخلفة المدعومةُ من القاعدةِ الارهابيةِ على قوات الاحتلال القاسية فإننا مهزومون كارازياً، ومهزومون ظواهرياًً! هذا غيضٌ من فيضٍ ستشهد الأيامُ أن َّالقوةَ والدينَ في أيدي المتشددين والمتعصبين، كالمالِ والسلاحِ في أيدي القوى الاستعمارية الطامعة في نفطنا وخيراتنا و .. حفظ أمْنِ إسرائيل.يمكنك أن ْتكتب الآن، باللغة العربيةِ أو الصينيةِ أو المنغوليةِ أو الكتالانية ِأو السواحيليةِ أو الفارسيةِ، ولن يمر وقتٌ طويلٌ حتى تقع كلماتُك بلغةٍ إنجليزيةٍ في جهازٍ ضخمٍ كاخطبوط يَمُدُّ أذرعَه في يونيون دي بنك سويس، ووكالة ناسا الفضائية، وموقع إيرث جوجل، ومضخة البنزين التي شحنت بها تنك سيارتك ودفعت كريديت لشاب بنغالي داخل المحطة. إنها الحرب العالمية الثالثة التي لن يصّدقك أحدٌ لو قلتَ بأنها اشتعلتْ فعلا بعد سقوط البرجين ولم يتم الاعلانُ عنها بعد!
.. التفاصيل
التبكيت والتنكيت والتسكيت و .. التفتيت
12:01 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 8 أكتوبر 2008
الدكتورة كوندي محظوظة لأنها لا تعمل ممرضةً في مستشفى بلغاري أو حارسةً شخصية، لذلك قامت بزيارة العقيد بعد خمسٍ وخمسين سنة من زيارة جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية الذي استقبله الملك إدريس السنوسي في قصر وليس في خيمة.
كان يومَ عيدٍ لكل السمراوات الأفريقيات اللائي يعملن في الجماهيرية العظمى، ولعل العقيدَ كان ساهماً وغيرَ مصدقٍ أنَّ ضيفتَه لا تبحث عن عملٍ، ولا تقدم شكوى من المعاملة الجافة لرجال أمْنِه!
في عالمنا العربي يبدع زعماؤنا في استقبال مِنْ هُمّْ علىَ وشك ترك مناصبهم الرسمية، من ريتشارد نيكسون إلى توني بلير، وتلك الرشيقة السمراء التي أهداها العقيدُ عوداً، فالأيام في البيت الأبيض باتت معدودة، وأغلب الظن أنَّ رسولَ الصحراء سيستقبل في العام القادم الرئيسَ ( السابق ) جورج بوش الابن، ربما لعقد اتفاقيةٍ نفطيةٍ لشركةٍ قد تجمعهما مع النائب ( السابق ) ديك تشيني!
ليس هناك أصدقاءٌ أو أعداء دائمون، هكذا قالت وزيرة الخارجية قبيل زيارتها للقذافي!
تعريف السياسة:كيف تعمل ساحراً، وتقوم بتحويل سكين في يد عدوك إلى زهرة، ثم اعادة الزهرة لوضعها الطبيعي إنْ لم تتفق مع خصمك؟
تعريف السياسة مرة أخرى: كيف تضحك في جنازة وتجعل المعزّين كلَّهم يستلقون على أقفيتهم من الضحك المتواصل، ثم يرقصون حول نعش الراحل، وبعدها تذهب إلى عُرْسٍ وتقنع الحاضرين بأنَّ العريسَ مات، ثم تتلقى التعازي؟
لا تتعجب فعصرُ المعجزات لا يزال قائماً، والمستحيلُ كلمةٌ لا توجد إلا في قاموس الأحمق أو الذي لا يعمل بالسياسة!
عندما يطير خبرُ استقبال الرئيس الفرنسي أو الأمريكي للدكتور أيمن الظواهري فلا ترفع حاجبيك دهشةً، فقد يأتي الوقتُ الذي تقوم فيه القوات الأمريكية والعراقية مشتركة بالزحف على المملكة العربية السعودية بِحُجّةٍ يمكن العثور عليها لاحقاً، أو قد يأتي يوم تطلب فيه حكومةٌ عربيةٌ من الأصدقاء في تل أبيب أن تقوم إدارةُ الجوازات والجنسية بالدولة العبرية بطبع جوازات السفر للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية!
بالقرب من مقر لقاء العقيد ورايس كانت هناك سحابة سوداء قاتمة، وإذا أمعنت النظرَ فيها ستجد أنها أشباحٌ لمئات من الليبيين الذين قام العقيد بتصفيتهم وسحلهم واغتيالهم ككلاب ضالة، ومنهم 1200 ليبي في سجن أبي سليم، ومنهم من لم نقصص عليك.
معذرة فالضيفة الكريمة لا تنظر إلى الأعلى إلا عندما تقابل مسؤولا عربياً لم يخدم سيّدَ البيت الأبيض بما فيه الكفاية، لذا فلم تسمع لعنات أرواح كل المظلومين والأبرياء الذين أرسلهم العقيد إلى العالم الآخر.
كان الرئيس الراحل ياسر عرفات ارهابيا كما وصفته حكومات العالم الحر، ثم تحوّل إلى رجل مسالم وحصل على ثلث جائزة نوبل للسلام بعدما تلقى أسيادُنا البيض اتصالا من تل أبيب بأن أبا عمار يحمل مسدسا في وسطه ولكنه لا يحمل أسلحة في لسانه أو صدره.
بعدها بعدة سنوات عاد أبو عمار إلى الواجهة الارهابية كما تصفها وسائل الاعلام الأمريكية والغربية، ولم يستطع كل الزعماء العرب أن يقنعوا اسرائيل بادخال زجاجات مياه معدنية لرئيس عربي في غرفته بمقره المحاصر في رام الله.
وألقى رئيس السلطة الفلسطينية كلمته في مؤتمر القمة العربية ببيروت عبر الساتلايت، وهي مَكْرَمة صهيونية قدّم من أجلها زعماؤنا الشكرَ لحكومة العدو التي سمحت لطائرات المشتركين في مؤتمر القمة بعبور أجواء الكيان العبري.
لا تتعجب مرة أخرى فقد يلتقي رئيس أمريكي بنظيره الايراني في صحن أحد مساجد قُم أو أصفهان، وربما تُصادِف رئيسَ كوريا الشمالية يتسوق في شوارع مانهاتن ويستبدل ببدلة العمال الماركسية بدلةً من أحدث ما عرضته بيوت الأزياء الرأسمالية.
تعريف السياسة مرة ثالثة: أن يكون حساب رئيس الحزب الاشتراكي اليساري في بنك سويسري عاملا أساسيا في عدم انهيار البنك، ومعذرة لجان زيجلر!
في العام القادم يحتفل العقيد بمرور أربعين عاما على عدم تولّيه أي سلطة، فهي للشعب، وسيقوم بتوزيع أموال النفط مباشرة على أفراد الشعب، وسيلغي كل الوزارات غير السيادية.
وفي هذه الحالة لن يحتار المواطن الليبي فسيحصل على حقه كاملا، ويمكن أن يقوم بسفلتة الرصيف أمام بيته، وأن يشتري سيارة اسعاف، وسيارة مطافيء، ويبني مطاراً فوق سطح منزله، ويكون لديه قطار صغير يمر فوق قضبان خاصة من أمام الدار إلى مدرسة الأولاد ومكتب الزوج.
وبعد الغاء الوزارات وتحمل المواطنين المسؤولية كاملة لن تكون هناك حجة، فيبني المواطنُ صيدليةً في جراج منزله، وفي غرفة نومه هناك شركة سفريات، أما المجاري فيتولى هو وأسرته عمل المواسير وتمريرها تحت الطريق الذي يملكه، وتصب في مياه البحر المتوسط.
يقوم المواطن بزراعة كل ما يحتاجه، فيبيع الأب لابنه الخضروات، وتشتري الأم من ابنتها الفواكه، ولا مانع من ماشية ورعي خلف الدار.
تبقى مشكلة توزيع البريد، وهنا يمكن أن يقوم المواطن بنفسه بتوصيل الرسالة، فإذا أراد ارسال طرد من طرابلس إلى غدامس، وهي مسافة تزيد على الألف كيلومترا، فيجري في الصحراء، ويعود بعد عدة أسابيع، فالبريد ملكية خاصة.
ماذا لو كان المبلغ الذي يتسلمه كل مواطن من أموال النفط لا يكفي طعاما وشرابا لشهر واحد؟
العقيد معمر القذافي يقوم بتفتيت دولة، وازالة كل آثارها، وفتح المجال لحرب أهلية يقوم بها جوعى ومتسولون وغاضبون.
ليس هناك وقت للضحك والتنكيت والصمت حيال زوال دولة عربية من الوجود، فالكارثة الكبرى لم تأت بعد، رعم أن ليبيا في كوارث متلاحقة منذ عام 1969، ومن يظن أن العراق أو السودان أو لبنان أو الصومال أقرب إلى التفتيت فقد جانبه الصواب، فليبيا تقترب من نقطة الصفر، وعندما يرفع العقيدُ يَدَه عن الدولة ويوزع عليهم أرباح النفط ليصنع كل منهم دولته أو جماهيريته، فلنا أنْ نستعد لننتحدث عن ليبيا في الماضي بعدما تصبح بقايا دولة حكمها مجنون لأربعة عقود!
.. التفاصيل
حوار بين جواز سفر عربي و .. جواز سفر أوروبي
11:59 PM
,
Tuesday 18 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 18 أكتوبر 2008
تجاور جوازا سفر عربي وأوروبي على المكتب الملاصق للمدخل الرئيس في المطار الدولي. تخيلتُ الجوازين وقد تناطحا، وتصارعا كما تتصارع الديكة، ثم تحاورا أخيرًا، فكان أنْ سَجّل خيالي الحوارَ التالي:
جواز السفر العربي: ما الذي جاء بك إلى هذا المكان، ثم وضعك بجانبي كأننا نِدّان يتساويان في الورق والقيمة وحامِلَيّنا؟ جواز السفر الأوروبي: أما المكان فحاملي يحمل وجهُه عينين زرقاوتين تفتحان له مغاليقَ مطارات عربية يعرف قسوتَها حاملُك حتى لو كان يعلق على جدران داره شهادة تعادل ما لدى الدكتور أحمد زويل! وأما مجاورتي إياك فهي محض مصادفة لا تقلل من شأني ولا تجعلك نِدّا لي أو نظيرا ولو خرجتَ أنت من مطبعة ألمانية تحتضنها إدارة الجوازات والجنسية في بلدك كأنها ستطبع صور الزعيم لتعليقها فوق رؤوس موظفي الدولة في مكاتبهم.
الجواز العربي: إنني أحمل في أحشائي لغة جميلة، وأنا رغم مهانتي يعرفني أهل قومك على أن حاملي عربي وليس فقط مصريا أو فلسطينيا أو سوريا أو مغربيا أو لبنانيا. إذا قام أحدهم بسرقتي فإن أجهزة أمن بلدي يتم استنفارها، ويصعب على السارق أن يقوم بتزويري، ويتعرض صاحبي لسبعين سؤالا من ضابط أمن المطار بُعَيّد وصوله بوثيقة سفر مؤقتة كبدل جواز ضائع! الجواز الأوروبي: لكن صاحبك ترتعش يداه ، ويكاد يسقط مغشياً عليه لو تفحصّك ضابطُ الجوازات أكثر من دقيقتين. أما أنا فأمرق كلمحِ البصر أو أقل في مطارات برلين وجلاسجو وهيراكليون ولارناكا وأنقرة ومدريد ومارسليا، بل يكتفي أحيانا ضابط الجوازات بالنظر إلى وجه حاملي كأنه يحمل مفتاحَ الجَنّة. أحيانا أنام هانئاً في درج مكتب حاملي دون أنْ يرهقني بالسفر، فيصحب معه بطاقةَ الهويةِ لينتقل بين هولندا وبلجيكا، أو بين السويد والدانمرك، أو يذهب للتبضع من جنيف إلى الحدود الفرنسية وقد لا يحتاج حاملي إلى البطاقة الشخصية إنْ غادر أوسلو إلى الحدود السويدية، أو استقل سيارته من الفارو البرتغالية ليقضي المساء في إسبانيا. أما أنت فما إن تقع عينا ضابطِ أمن المطار العربي على حامِلِك حتى تصيبه نوبةُ غضبٍ، وتبهت ابتسامتُه، ويتفحص وجهَه محاولاً العثور على تُهمةٍ لا أحسب أضعفَهم إلا قادراً على تلفيقِها. قبل أن يتسلمك صاحبُك من إدارة الجوازات والجنسية يقوم بتخليص اجراءاتٍ كأنه سيهرب بك، أو سيلجأ إلى أول بلد أوروبي يستنشق فيه نسمةَ حرية ، ولا يقوم بزيارته زائرُ الفجر ولو قضى بقيةَ حياتِهِ في خيمةِ أمام قصرِ رأسِ الدولة محتجاً ومنتقداً السياسة العليا! الجهات الأمنية في عالمك العربي تتعامل معك على أنك نجسٌ تختبيء في صفحاتِك جرائمُ حامِلك المجهولة منها والمعلومة، أما أنا فكتابٌ مقدسٌ يكاد يرفعه رجلُ الأمن في المطارات الأوروبية ويقوم بتقبيله إنْ كان حاملُه ذهبيَّ الشَعْرِ وأزرقَ العينين أو أخضرَهما!
الجواز العربي: إنَّ قيمتَك ليست فيك أو في صاحبك لكنها نتيجةٌ حتميةٌ لمصالح دولٍ مزقتها حربان عالميتان دفعتا لباطنِ الأرض بسبعين مليونا من البشر. كان من الممكن أنْ أكون مثلَك لو لم تدعم حكوماتُكم طغاتنا فيقللون من شأن مواطنيهم، ويجعلون الوطنَ سجناً، فتنخفض قيمتي كما تنخفض العملةُ الخضراءُ في وول ستريت لو عبث في أيِّ بورصةٍ أحدُ الحيتانِ أو حجبنا عنكم براميلَ ذهبنا الأسّوَد. في منتصف الستينيات عَلِمَ الرئيسُ جمال عبد الناصر بأنَّ مواطنيه يتعاملون من السلطات الألمانية ( الغربية ) آنئذٍ معاملةً غيرَ كريمة. وجاءت توجيهاتٌ من الرئيس نفسه بمعاملةِ الألمان في منافذ مصر كلها معاملة سيئة حتى تصل الرسالةُ إلى السلطات في برلين الغربية. وفجأة ارتفعت قيمتي، ولم تنفعك الدماءُ الزرقاءُ التي تجري في عروقِ صاحبك، أو حمايةُ الغربِ كله لوثيقةِ السفر الراقية! الجواز الأوروبي: هذا هُراءٌ، فأمريكا اللاتينية كانت أحذيةُ العسكرِ تصنع جوازات السفر، والديكتاتور يهين شعبَه في الداخل ويدافع عن مواطنيه في الخارج، أما في عالمِك العربي فحاملُك تطارده سلطاتُ بلدِه ولو كان في مرتع الحرية مشاركاً في مظاهرة بالهايد بارك المحيطة بقصر صاحبة الجلالة. حتى تركيا التي لا يزال الساركوزيون يتعاملون معها على أنها الرجلُ المريضُ قدّمتْ منذ سنوات احتجاجاً شديدَ اللهجةِ إلى السلطات الألمانية التي هددت بطردِ فتىً تركيٍ يبلغ الرابعةَ عشرة من عمره. فهل هناك زعيمٌ عربيٌّ، إلا قليلاً، يدافع عن حامِلِك وكأن كرامتَهما واحدة؟ يحملني جندي أمريكي وهو متوجّه إلى العراقِ في حماية الاحتلال، ولا يستطيع وزيرُ الداخليةِ العراقيِّ أن يلمسني، ولو شاهدني المالكي نفسُه فستتسع ابتسامتُه حتى لو كان حاملي قد قتل لتَوّهِ من العراقيين نصفَ سكانِ قريةٍ آمنةٍ مطمئنة. يسلّمُك صاحبُك إلى كفيلٍ خشيةَ أنْ تهرب، أو تعود إلى بلدِك أو تبحث عن كفيلٍ آخر أقل جشعاً وطمعاً، ورغم أنه عربيٌ مثل حاملك إلا أنه يعاملك كوثيقةِ سفرٍ دنَّسَها الفقرُ، وتحمل بين طياتِها كرامةً تماثل قيمةَ حامليها العرب!
الجواز العربي: تُحَدّثني عن أمريكا اللاتينية ولعلك نسيت جوازَ السفر الأمريكي الدبلوماسي الذي يحمله سفيرُ البيتِ الأبيضِ في فنزويلا ولم تنفعه كل الأعراف الدبلوماسية فغادر البلادَ مطروداً، حتى سفير القطب الواحد في بوليفيا عجز جوازُ سفره أنْ يعطيه قيمةً أكثر من تلك التي ترفع مقامَ شابٍ ثائرٍ يعلق صورةَ جيفارا على الحائط فوق فراشه، فبكى السفيرُ مُلْكاً رأسمالياً ثرياً لم يحافظ عليه حفاظَ فقيرٍ ماركسيٍّ لا يجد قيمةَ بطاقةِ سفرً بين تشيلي وكولومبيا. وهل نسيت جوازات السفر الخليجية الشقيقة وهي تتفتح لها قاعاتُ كبار الزوار في مطارات دمشق وتونس والقاهرة وبيروت والرباط و ..؟ إنك تعيش أوهامَ الحلم الأوروبي فتظن مساحةَ جيبِ حامِلِك الكبيرة والتي يدفع منها إكراميات للعاملين في منتجع شرم الشيخ وفنادق سوسة والحمّامات ومطاعم الدار البيضاء وسماسرة العقارات في بيروت واللاذقية تمنحك بياضاً ناصعاً، وترفع مقامَك لتَسْخَر بعدها من جوازِ السفر العربي. الجواز الأوروبي: ومع ذلك فسأظل أنا الممثلَ الشرّعيَّ والوحيدَ لأحلامِ حامليكم، ولو تم استخراجُ جواز سفر سويسري أو ايطالي أو نمساوي أو برتغالي أو حتى مالطي لملياردير عربي لما تأخر في قبوله وتقبيله، وربما تعليقه مع خرز خشية الحسد والحاسدين! إنَّ القيمةَ الكبرى في جواز السفر هي في كيفية تعامل أبناءِ بلدِ حامله معه، وفي المقدمةِ منهم رجال الأمن. يستطيع حاملي إذا سرقني لصٌّ أن يتصل بقنصل بلده، فيفتح له بابَ السفارةِ من جديد إنْ كان في وقتٍ متأخر، ولا يطرح عليه سؤالاً أمنياً أو يعاتبه أو ينتقده، لكنه يستخرج له وثيقةَ سفرٍ في اللحظة نفسِها، ويكمل فترةَ اقامتِه، ثم يعود إلى بلده دون أن تفتح الجهةُ الأمنيةُ تحقيقاً مخيفاً معه. في مطار أوسلو الدولي تكتشف عائلاتٌ كثيرة مسافرة أنها نسيت جوازات السفر بعد وصولها، والوقت لا يسمح بالعودة إلى البيت، وزحام السفر شديد في فترة العطلات المدرسية، ومع ذلك فسلطات المطار لا تعيد تلك العائلات والأفراد من حيث جاءوا، وتستكمل اجراءات السفر ببدل فاقد أو بالهوية الشخصية. في معظم جوازات السفر الأوروبية والأمريكية والكندية تم الغاءُ خانة الوظيفة، فهي لا تعطيني قيمةَ أكثر من جنسيةِ حاملي، ولا يكترث ضابطُ الأمن في المطار إن كان حاملي وزيرا أو عاطلا عن العمل، أما أنت، جواز السفر العربي، فيبحث ضابطُ الأمن في صفحاتِك عن وظيفةِ صاحبِك ليعرف درجتَه في حرارة الاستقبال أو برودته، وفي اتساع ابتسامته أو تكشيرة وجهه! أنت مترَقَب للوصول أو ممنوع من المغادرة بسبب أيّ هفوة يرتكبها حاملُك ولو كانت حُكْماً غيابياً في جنحةٍ لا تستحق ضياعَ وقتِ القاضي والمحكمة، أما أنا فجزءٌ من منظومة قررت مع العالمِ الغني أن يحمل كرامةَ الغرب كله بمجرد أن تقع عليّ عينا ضابط أمن الحدود. صحيح أنَّ خانة الوظيفة تم حذفُها والاستغناءُ عنها، ويشرّفني أنَّ صفحاتي ليست بها أختامٌ إلا إذا سافرت إلى عالمِكم العربي أو الأفريقي أو دول جمهوريات الموز.
الجواز العربي: وهل تظن أن فخري لأن عالمي العربي يقع بين أغادير وطنب الكبرى، وبين مقديشيو والمحمرة لا يجعلني انخرط في البكاء بين ألفينة والأخرى متمنّياً أنْ أمرق مثلك كالريح في مطارات صنعاء والرياض وعَمّان وبغداد ودمشق وتونس والجزائر والقاهرة والدوحة ودبي وجدة ونواكشوط والمنامة؟ لقد أتى علينا حين من الوقت تَمَنّىَ فيه حاملونا أن يكون الوطنُ العربي واحداً، وأنْ لا يحتاج المواطنُ لأكثر من هويةٍ شخصيةٍ وهو يجلس في قطارٍ سريعٍ يستقله في أغادير ويمر عبر مراكش فالرباط ثم يتوجه إلى الجزائر، ومنها تمتد قضبانُه إلى وهران ليشمّ الركابُ رياحاً قادمةً من تونس الخضراء، ولا يمر وقت طويلٌ حتى يعلن الوصولَ إلى طرابلس الغرب. وينزل ركابٌ، ويصعد آخرون فالقطار متوجّه إلى طبرق فالسلوم فمرسى مطروح فالاسكندرية ، ولا يزال الطريق طويلا وممتعا ووحدوياُ، وسيمر عبر فلسطين ومنها إلى العاصمة الأردنية ليُسْرع بعدها إلى بغداد فيتجه إلى سورية أو الكويت أو تركيا! لكنَّ حامليك هم الذين تسببوا في جعل قيمتي لا تساوي صفحاتي، فوقفوا مع الطغاة، وساندوا الزعماءَ الارهابيين، وغضّوا الطرفَ عن لصوصِ الشعوب، وتعاونت مخابراتُهم مع أسيادِ القصر، وصنعوا منذ ستين عاما كياناً استيطانياً في فلسطين ليمزق عالَماً عربياً كان يحلم بخروج المستعمِر المؤقت فاستبدلتم به استعماراً دائما. الجواز الأوروبي: أشفق عليك من هول ما رأيت، فحاملُك إنْ ثقلت عليه الدنيا بما خَفّتْ ورحبت لعَنَك كأنك سببُ تعاستِه، وإنْ استبدل بك جوازَ سفرٍ من بلادنا كان يومَ عيدٍ له ولكل الحالمين معه. أراك وقد اعتصرَك العَرَقُ، وهَلكتْ صفحاتُك من كثرةِ التقليبِ فيها والختم عليها بغضبٍ وقسوةٍ، واسوَدَّتْ حوافُك مِنْ طول الامساك بها والعبث فيها بأصابع في كفٍ اعتاد أن يصفع المواطنَ على وجهِه أو قفاه! ليس لك أملٌ أنْ تصبح مثلي قبل أنْ يَعْصي حاملوك مُهينيك، فكرامتُك من كرامةِ من تنتسب إليه.
الجواز العربي: لو عشتَ يوماً واحداً مثلي في يدِ كفيلٍ أو ضابطِ أمنٍ عسكريٍّ على الحدودِ لتخيلتَ المشهدَ بِرُمَته، فهو كارثةٌ لا يعرف أحدٌّ إلىَ أيّن تذهب بالوطن العربي!
حوارات أخرى للكاتب: حوار بين سمكتين في قاع البحر حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك حوار بين زنزانتين في سجن عربي حوار بين حمار و .. زعيم عربي حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك حوار بين سجين حر و .. حر سجين حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية حوار بين وافد و .. كفيل حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة حوار بين مواطن خليجي و .. إعلامي عربي حوار بين الرئيسين بشار الأسد و .. جمال مبارك
.. التفاصيل
كان يجب الحكم باعدام إبراهيم عيسيى!
11:58 PM
,
Tuesday 18 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 2 أكتوبر 2008
شهران بالسجن فقط يقضيهما رئيس تحرير ( الدستور ) الذي تجرّأ وكتب عن صحة الرئيس ؟ أي معلومات تلك التي أمدّه بها مغرضون لا يعرفون أنَّ صحة الرئيس زي الفل، وأن عزرائيل لا يقترب منه في ميونيخ أو في القاهرة ولا يستطيع أن يمر عبر أجهزة الأمن المصرية والأمريكية والاسرائيلية التي تحمي سيد المصريين في شرم الشيخ. زميلنا العزيز ، للأسف الشديد، لا يعرف أن الرئيس لا يمرض، ولا يموت، ولا يتبول، ولا يذهب إلى الحمام، ولا تستطيع أي قوة أن تنزع منه فحولته وذكورته وقواه الجنسية. رئيسنا أكبر من المرض، ولو اجتمعت ميكروبات وفيروسات وسرطانات الدنيا كلها فإنها تمر على الفقراء ، ثم فقراء الأغنياء، فإذا علمتْ أن طريقها يؤدي إلى الرئيس مبارك، تراجعت فورا ودخلت جسد قروي مسكين لا يستطيع جيبه المثقوب أن يتحمل عدة جنيهات لمراجعة طبيب لمدة دقيقتين. القاضي يعرف أكثر من الزميل إبراهيم عيسى، فالمرض قرار سياسي لا علاقة للقضاء والقدر به، والرئيس مبارك ليس كهؤلاء الذين صنعت بطونَهم ورممت أجسادَهم مزروعاتُ يوسف والي. صحة الرئيس خط أحمر، فهو ليس بشرا مثلنا، وبوله ليس أصفر اللون، ورائحة غائطه مثل بارفان كريستيان ديور، ويستخرجه الأطباء بالحقن المعقمة بدلا من أن يجلس في المرحاض مثلنا .. نحن الغوغاء المتخلفين. ومرارة الرئيس تتحمل الظلط، ودماؤه زرقاء نقية، وعمره سيزيد عن عمر نوح، عليه السلام، دونما حاجة لصناعة الفُلك، ولن يحتاج جمال مبارك أن يأوي إلى جبل يعصمه من الماء. رئيسنا ليس مخلوقا مثلنا من طين أو زفت أو نفط ولو ارتفعت أسعاره لتصبح أكثر من سعر الذهب، إنما هو حالة خاصة فريدة من نوعها، أينما أتيتها وجدت فيها مخلوقا عجيبا، ومعجزة لا مثيل لها. رئيسنا، الذي كتب عنه الزميل إبراهيم عيسى، لن يموت قبل أن يدفن بنفسه كل المصريين، وربما يترحم على أولادنا وأحفادنا. رئيسنا فوق الطب والمرض والارهاق والتعب والنَصَب، ودقات قلبه كساعة سويسرية، ويدخل رئتيه هواء ملوث، فيخرج منها روائح أزكى من كل زهور هولندا. وأمعاء الرئيس جدارها من حرير، وأنفه يتحول المخاط فيه إلى بابا غنوج لبناني لا تجد مثله في كل مطاعم شارع الحمرا، أو عسل أبيض بدون ملكة نحل أو ملكة جمال. وإذا عطس الرئيس أمامك فكأنك استنشقت رحيقا لم تقترب منه نسمة هواء من قبل. ابراهيم عيسى يستحق الاعدام في ساحة مواجهة لمكتب أمين لجنة السياسة الخارجية، أو على شاطيء مجاور لقصر الرئيس في شرم الشيخ ويشاهده كل السائحين، وكان على الزميل الصحفي الكبير أن يجدف في حق الله، وأن ينكر كل الكتب المقدسة والأنبياء، فهذا أخف كثيرا من الحديث عن صحة الرئيس والتشكيك في الفل! والرئيس لم يمس جسدَه دواءٌ طوال أكثر من ربع قرن، وليس في أي من قصوره واستراحاته دورة مياه أو مرحاض أو سافون. إنها أم الجرائم التي يستحق كل من يظن بأن الموت أو المرض أو الارهاق يقترب من الرئيس عقوبة الاعدام ، ويمنعوا عنه البيجاما الحمراء حتى يكون حبل المشنقة مفاجأة. إما إذا أعلن القصر بعد شهر أو عام أو عقد أو قرن أن الرئيس مات فلا تصدقوا هذه الأكاذيب والهراء والخرافات، فالرئيس حسني مبارك حي لا يموت!
.. التفاصيل
رسالة مفتوحة إلى فيصل القاسم
10:41 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
مَرَّ تقريباً شهرٌ ونصفُ الشهرِ علىَ الثلاثاءِ الأسّوَد الذي اصطدتني فيه، وحاولتَ احراقي واغتيالي على الهواء، ثم سعيتَ إلى دفني في نهاية الحلقة، في رسالة واضحة وصريحة لكل أجهزة القمع والقهر في العالم العربي بأنك أديّتَ إليهم خدمة ستكون لصالحك في أعناقهم، أفرادا ومجتمعين. أعترفُ لك بأن الأسبوعين الأوليّن بعد جريمة برنامجك مَرّا كأن جبلا من الحزن والهَمِّ والغضب كان يضغط على قفصي الصدري، ومن عادتي أن أجد لمن يُسيء إلى مِنْ عذرٍ واحدٍ إلى سبعين عذرا، أما في الثلاثاء الأسود فلم أعثر لك إلا على سبعين ذنبا لا يستطيع الزمن أن يُحَرّكها من مكانها قيد شعرة. أستعيد كل دقائق اليوم المشؤوم، فتزداد علاماتُ الاستفهام أضعافا مضاعفة! كيف تحوّلتَ من شخص وديع قبل البرنامج إلى مساعد أول طاغية أو جلاد لمستبد أو مفترس لصالح سيد القصر؟ كأنك ذاكرتَ الدرس مئات المرات، وحفظته عن ظهر قلب، وتم اجراء امتحان في جهاز أمن الدولة عن كيفية ارباك ضيفك، وقطع حديثه، واقتطاع كلمات في نهايات الجمل الاستئنافية قبل أن يكملها، والاستهزاء به، والسخرية مما لديه، وحجب أي فرصة على توثيق وإذاعة معلومات وبيانات وأسماء و .... أتذكر تعبيرات وجهك بعد البرنامج وأنت تريد إيصال رسالة أمامي ليسمعها اللواء .. الضيف الآخر، وكأنها شهادة وفاة لينقلها عنك إليهم، حيث استلقوا جميعا على ظهورهم، في مكاتب الاستخبارات، ضحكا وفرحا وغبطة من مصر إلى ليبيا، ومن تونس إلى الأردن، ومن سورية إلى العراق، ومن السودان إلى الجزائر، فقد ضمنتَ لنفسك قاعات كبار الزوار، ونياشين تستقبلك، ونجوما تتراقص فوق أكتاف مضيفيك. ولكن كيف كانت ليلتك الأولى بعد عودتك إلى فراشك الدافيء في عاصمة المصالحة اللبنانية؟ ألم يقرعك ضميرُك؟ ألم يؤنّبك ولو للحظات خاطفة عن عملية بيع إعلامي زميل على الهواء؟ المفاجأة التي لم تكن أنت تتوقعها جاءت من هؤلاء الأشراف، وحتى ممن يلمسون الشرف بأطراف ضمائرهم، فقد غضبوا عليك، ونزعوا ثقتهم عنك، ورأى كثيرون منهم أنك كنت كمن أخطأ الرصاصة فلم يقتل ضيفه، لكنه أصاب ( الاتجاه المعاكس)، فأعطوك ظهورهم، وتغيرت ملامحك في أذهانهم وفي مخيلاتهم. كيف طاوعتك نفسك أن تختار زميلا لك، وتمارس معه أمام الملايين ما يفعله ضابط الأمن ومرشد السلطة وسجّان الرأي، فتقطع لساني ثم تطلب مني الحديث، وتكتم فمي لتصيح مستهزئا بأن ضيفك صَكَّ وجهه، وتلعثم لسانه، وفقد القدرة على الحديث؟ أين كانت أخلاق الإعلامي المتمرس، والمثقف المستنير، خاصة وأنك لا تحتاج لمزيد من المال أو السلطة أو الحماية، ولا يقترب منك سوط، ولا يتوعدك كرباج، ولا تتهددك قائمة بالمترقب وصولهم إلى مطار بلد عربي؟ بقدر ما كان جبل الحزن وجلد الذات والغضب عاليا وثقيلا، بقدر ما فتحتَ لي كوة صغيرة، كبرت مع الوقت لتستخرج تحديات كانت كامنة داخلي، وأفكارا لم تدر بذهني، واصرارا أن الهزيمة بداية الوقوف من جديد. وانتهيت من عدد جديد من (طائر الشمال)، وخرجتُ إلى فضائية في بلجيكا أتحدث عن السجون والمعتقلات، وفتحتُ لنفسي نافذة على النت في شرائط مصورة لتكملة رسالتي عن عالم الأبرياء المنسيين والمختفين والمعذبين في أقبية تحت الأرض (التي تتكلم عربي)! وفي ذهني عشرات من الأفكار التي تتزاحم لتفوز كل منها بالخروج إلى النور، وتعافيت تماما من الثلاثاء الأسود، لكن حيرتي عن رد فعل ضميرك لا تزال كما هي. صحيح أن الوجع كان شديدا ومحرجا لأحبابي وأصدقائي ومعارفي وأهلي. وصحيح أن البعض عاتبني عتابا شديدا، وبعض البعض تهكّم وسَخَرَ، واعتبر الحلقةَ اختبارا يرسب فيه من لا يصيح، ويقاطع الآخر، ويسابق لسانُه فكرَه، وتلوّح قبضة يده في الهواء، ويهددك بالانسحاب على الهواء. لكن سعادتي كانت تحملها مفاجأة المفاجآت، فقد تلقيت رسائل دعم ومحبة وتعاطف وتأييد، رغم أدائي الذي قارب الصفر أو أدنى، فلم تكن لتنطلي عملية الذبح البارعة على أكثر مشاهديك، بل ومحبيك أيضا. اتصل بي مثقف كبير، وسياسي محنك قائلا: أمْا أن الدكتور فيصل القاسم باعك على الهواء، فهذا لا يشك فيه حتى من يملك من الفكر ذرة، ومن الفهم أقل منها! لكن لمصلحة مَنْ قام بعملية البيع والقتل والحرق، بل والدفن التي أعلنها في نهاية الحلقة، فذلك ما لم يحط به صديقي علما؟ اكتشفت عالما رائعا وجميلا من المحبين الطيبين الذين ناصروني، وساندوني، وشدّوا من أزري، ومنحوني كلمات دافئة لو أنك، المنتصر، تلقيتَ قليلا منها لأسعَدَتْك ما بقيّ لك مِنْ عُمْر. هل تصدق أنني لم أشاهد (الجزيرة) بعد عودتي إلا كلمح البصر أو أقل، فحتى شعارها اختلط في ذهني بالثلاثاء الكاذب، والغريب أن كثيرين أبلغوني أنها نفس مشاعرهم، وأنهم لم يعودوا قادرين على تصديقك. لم أتمكن من الاجابة على سؤال متكرر طرحه كثيرون: لماذا ظهر الدكتور فيصل القاسم بعد أقل من خمس دقائق كأنه يحمل لك كراهية دفينة، أو كأنه يتوعدك بمصير لا يختلف عن مصير كل من جئت تدافع عنه؟ ترى هل سيأتي الوقت الذي يجبرك فيه ضميرك، ربما في لحظات نادرة من السمو الروحي، أن تقف في اتجاهك المعاكس، وتعتذر عن تلك الجريمة، ولا تأخذك العزة بالإثم؟ بين الحين والآخر، ولو طال الزمن، وعندما أشعر أن الجريمة في طيّ النسيان، ساقوم بتذكيرك مطاردا ضميرك وأخلاقك لعلها تصادف مِرّة واحدة أسمى قيم الحياة .. الاعتذار عن أم الجرائم، عندها قد أسامحك. أما الثلاثاء الكاذب فغير قابل للنسيان!
.. التفاصيل
أنت متهم لأنك تحب وطنك .. سوريا
10:40 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
خبران صغيران يفصل بينهما عالمان مختلفان تماما، لكن يمكن اعتبارهما صلب القضية التي نتحدث عنها. الأول عن اضراب موظفي 12 مطارا نرويجيا، مما اضطر الملك هارالد الخامس والملكة سونيا إلى ركوب قطار الليل بعد العثور على تذاكر سفر بصعوبة، وذلك للوصول قبل الموعد في صباح اليوم التالي. وللمواطن العربي أن يتخيل موظفا في القصر الملكي النرويجي يرجو مكتب الحجز أن يجد تذاكر سفر للملك والملكة وبعض موظفي الديوان. أما أن تخرج طائرة خاصة ليستقلها العاهل النرويجي فهو الأمر غير الطبيعي، تماما كما حدث مع والده الملك أولاف عندما قطع العرب بترولهم عن الغرب خلال حرب أكتوبر 73، فجلس الملك في المترو، واشترى تذكرة من المحصل كأي مواطن آخر. وكان يركب دراجته في التنقل من مكان إلى آخر. المشهد المقابل تظهر فيه صورة رجل استخبارات سوري غاضب إثر ابلاغه بأن إمام أحد المساجد لم يتوجه إلى الله تعالى في نهاية الخطبة بأن يطيل عمر فخامة الرئيس بشار الأسد. أما الحديث عن أن سكرتير الرئيس لم يجد تذكرة سفر لفخامته من دمشق إلى اللاذقية فقد يصيب مستمع الخبر وناقله بهوس ضحك متواصل أو بكاء مستمر! شمرت أجهزة صناعة الكلمة عن سواعدها، وتلقى مثقفو السلطة أوامر ذاتية مبرمجة منذ أربعين عاما بأن تمتدح شجاعة الرئيس الذي سيجعل المفاوض الإسرائيلي يتبول في ملابسه رعبا وفزعا وهو يجلس على مائدة المفاوضات مثلما جلس جنرالات صدام حسين في خيمة صفوان، والجنرال شوارتسكوف يهمس في أذن الجنرال خالد بن سلطان بن عبد العزيز! أجهزة الاستخبارات والتي تهمس في أذن الرئيس بأنها تقوم بحمايته تقرر في عملية بطولية خارقة اعتقال فاطمة مصطفى أحمد وهي في الثانية والعشرين من عمرها وكانت حاملا في الشهر الخامس، واختفت مع زوجها عمر بن أحمد خطاب ، فالشمس لم يخلقها الله لتسطع على قلب العروبة النابض، ولكن لكي يختفي المواطن السوري وراءها دون محاكمة، فوجود السلطة القضائية إهانة للسلطة التنفيذية، أما السلطة التشريعية فينتخب الشعب أعضاءها للتعبير عن رغبات سيد القصر. أنت سوري، وتحب وطنك حبا جما، وتذوب عشقا في كل نسمة هواء تلفح رجلا أو إمرأة’ أو حجرا أو شجرة أو قطة متشردة أو طفلا يطل برأسه من نافذة حافلة مسرعة ، لكن حبك ينبغي أن لا يقترب من إثارة غضب حماة الرئيس، وإلا فقد ثكلتك أمك قبل أن تعود إلى دارك، فالاختفاء القسري ممهور بتوقيع الرئيس الشاب حتى لو لم يمسك القلم أو يخط حرفا فيه. النكتة الوحيدة في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة التي تبكي وتضحك في الوقت عينه سامعها تتعلق بحقوق الإنسان. يصل المهندس راسم السيد سليمان الأتاسي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا إلى مطار دمشق الدولي، فالمهمومون بقيمة الإنسان العربي في إنتظاره بالعاصمة البحرينية، لكن أجهزة الأمن تكتشف في صدره أحلاما تهز هيبة الدولة، وهي أخطر من الإحتلال الصهيوني لهضبة الجولان، وأغلب الظن أنها عن كرامة المواطن. يبصق مدير أمن المطار على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ثم يعيد المواطن إلى المعتقل .. أعني الوطن حيث لا تستطيع أن تميز بينهما. تستطيع محكمة أمن الدولة في سوريا أن تحجز لك مكانا في زنزانة ستكون من أسعد مخلوقات الله لو أن فتحة التهوية فيها كانت أكبر من قبضة يدك، والتهمة محاولة إضعاف الشعور القومي! لكن هناك تهمة جديدة هي القيام بأعمال لم تجزها الحكومة! ترى هل سيأتي الوقت الذي يتم فيه إعتقال مواطن لأنه مر بجوار كلب، ولم يرفع يده بالتحية، باعتبار أن الكلاب تتعاون مع السجانين في نهش لحوم المعارضين، ومن لا يحترمها يقلل من هيبة الدولة؟ الشاب عبد الله البحر بن سمير لم يبلغ الحادية والعشرين من عمره، وقد ارتكب جريمة بشعة في حق الدولة وهي أنه كان يبحث عن والده وشقيقه المفقوديّن منذ فترة، فتم اعتقاله. التهمة ليست مشكلة فهي تأتي لاحقا، بل يمكن للمتهم أن يختار التهمة التي سيمثل بها أمام القضاء، فالمهم أن الخوف يسري في كيانه، وأن تقتله حيرة التفكير في مصير لا يعرفه، وأن يعرف أن التجديف في حق الله واحدة من الصغائر التي لا تقارن بجريمة حب الوطن والاهتمام بشؤونه ومشاكله وقضاياه. أما أن تظن بأن الله أعطاك من نفخة الروح فيك كرامة تصحبك من المهد إلى اللحد، فأنت قد حفرت قبرك بيدك، وحجزت زنزانتك قبل أن تغسل دورات مياه سجنها بوقت طويل. عضو المنظمة السورية لحقوق الإنسان وديع دك الباب هز هيبة الدولة أكثر مما فعلت طائرات إسرائيلية حلقت فوق القصر الجمهوري بدمشق، ونشر مقالا عن ( دمشق عاصمة للثقافة العربية ) وطالب بأن تكون الكرامة قبل الثقافة. لو أنه اشترك مع المقاتلات الإسرائيلية في ضرب مشروع المفاعل النووي السلمي لكانت جريمته مخففة وبسيطة، أما أن تلعب الشياطين برأسه، ويظن أن حبه لبلده ولشعبه ولأرضه الطيبة يمنحه حق الحديث عن أهمية الكرامة، فالرئيس الشاب لا يتسامح مع الخيانة العظمى للدولة. هل تحب سوريا حقا، ومع ذلك فأنت تصمت على عشرات من الجوانتانامو المتفرقة في قلب العروبة؟ عليك إذن أن تعيد النظر في حبك، فهو كراهية ولو ظنها البلهاء غزَلا صامتا!
.. التفاصيل
قراءة في ( الغريبة ) مليكة أوفقير
10:39 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
أكثر السرقات دناءة وخسة وحقارة تلك التي تدخل عنوة على الإنسان الحر، وتقتطع من عمره يوما أو عاما أو عدة أعوام يقضيها المظلوم في أقبية السجون حيث يمارس الساديون القساة باسم السلطة أحط السبل والوسائل التي يتأكد بعدها الحيوان أنه أكثر رقيا وتحضرا من البشر. في ( السجينة ) وصفت مليكة أوفقير مشاهد من عشرين عاما قضتها في مكان لا ينتسب إلى السجون أو المعتقلات، ولا يتشرف بأن يكون قطعة مهجورة في الصحراء، لكنه عزلة تأديبية لأسرة حملت اسم أوفقير، وقرر الملك الحسن الثاني أن يعاقب الرجل في قبره بوضع أسرته، ومنهم طفل لم يكن قد بلغ الثالثة من عمره، في أكثر الظروف حشراتية، وإمعانا في مضاعفة عذاباتهم، قام بتقسيم الأسرة إلى قسمين في نفس المكان لمدة ثمان سنوات لا ترى الأم وابنها الصغير أولادها وبناتها رغم أن جدارا واحدا يفصل بينهم، وتلك كانت متعة الملك وهو يجلس في الدروس الحسنية يسبح بحمد الله، وينصت بشغف لعلماء من العالم الاسلامي كله جاءوا في حضرته ليباركهم كرمه معهم، أما الملك فكان مشغولا وهو يسمع آيات الله البينات بكل أنواع التعذيب التي يمارسها زبانيته مع المنسيين في سجون ومعتقلات المغرب.
مليكة أوفقير تحدّتْ الموت وغيابات السجن والحرمان والتعذيب والاذلال لعشرين عاما من شبابها، وعندما خرجت رغم أنف أمير المؤمنين عرف العالم أنَّ عيون مسؤوليه ومثقفيه وإعلامييه كانت معصوبة بالجهل لِما كان يحدث في مملكة الصمت المخيفة.
في كتابها ( الغريبة ) تصف رفاهية الحرية، وتحاول أن تعيد رتق ما تم اقتطاعه من عمرها، وتلصقه مرة أخرى فتنجح أحيانا وتفشل أحايين أخرى. إنها في باريس حيث تستطيع أن تسير دون أن تنظر خلفها، وأن تمارس حرية الكلمة، وتختار طعامها، وكتابها، وتركب المترو، وتقود السيارة، وتتحدث مع رجل شرطة دون أن يرفع صوته أو سوطه وينهال على ظهرها. تصف مليكة أوفقير يوم أن حصلت على حريتها في 26 فبراير 1991 بعد عشرين عاما، أو عشرين قرنا في أعتى سجون الحسن الثاني. تقارن بين سنوات كانت وأفراد أسرتها يتعفنون في السجن الذي أراده الملك انتقاما لروح والدها، وبين تدفق الأحلام فجأة رغم أن سنوات الحصار في الحرية كانت خمساً، وكانت أجهزة المخابرات المغربية تستجوب كل من يقترب من الأسرة، أو يصافح احد أفرادها، أو يبتسم في وجه أحدهم. بدأت حياتها في سن الثالثة والأربعين عندما استنفر فرار أختها ماريا وسائل الإعلام الفرنسية، وخضع الملك لأول مرة، ولن يستطيع أن يختطف مليكة أوفقير ويذيبها في حامض الأسيد كما حدث مع بن بركة. السلطة في العالم العربي عبقرية في مواجهة المواطن، ومبدعة في فن التعذيب، أما الاختطاف فمخابراتها تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه كل أجهزة الأمن المحترفة، فالاختطاف قد يتم في فندق ببلد شقيق، أو من خلال دعوة رقيقة يتسلمها الضحية ثم يختفي بعدها، أو عملية تخدير يشرف عليها دبلوماسيون في الخارج، وأحيانا يتولى كاتم الصوت احالة روح الكلب الضال ( وفقا لأدبيات المخابرات الليبية ) إلى عزرائيل. في حياة الحرية تكتب مليكة أوفقير بمرارة ممزوجة بتهكم لا نظير له عن الحياة اليومية الباريسية، وعن التبضع في السوبر ماركت وجنون الشراء، وحُمّىَ الاستهلاك، والمصارف، والسحب الآلي، والمطاعم الفاخرة التي تقدم لك أطباقا تتوسطها شرائح متفرقة من الطعام لا تراها العين المجردة. مليكة تحمل معها عشرين عاما كانت مفقودة، وكلما استعادت مشهدا قديما، حتى لو كان مقاسمة الحشرات والفئران لهم كسرات الخبز التي كانوا يدفنونها تحت الأرض خشية مصادرتها، يصطدم المشهد بعالم الحرية، ويختلط الأمر عليها فلا تفرق بين السجن الحقيقي والسجن الكبير. لا تصدق مليكة أنها يمكن أن تستدعي الشرطة لموقف أو لحمايتها فقد تعلمت أن الشرطة هي التي تستدعي الأشخاص، وأن الحديث مع رجل الأمن له أصوله وقواعده، والنظرات المتراخية، وأحيانا تقليد المتذللين والمساكين والخائفين فهي الطريقة الأكثر أمنا لتجنب غضب رجال السلطة. في ( الغريبة ) تكتب مليكة بقلمها أو بقلبها أو بمرارة ذكرياتها، وتتحول إلى حكمة متحركة ساخرة للحياة ومن الحياة، لكن آلامها التي تجترها تصيب كلها كبد الطغاة، وتغرس أنيابها في وجوههم القبيحة. في ( الغريبة ) تحاول أن تصف الحرية، ولكن ماذا عن الشخص الذي لم يعايش تجربة مثلها، هل هو قادر على الاستمتاع بالعالم خارج السجن؟ في ( الغريبة ) تدين مليكة الطاغية الذي سرق من عمرها وأعمار أفراد أسرتها عقدين من الزمان، لكن خلف الحديث عن الحرية يختفي شيء رهيب. إنه عالم المنسيين الذي قضى كثيرون منهم نحبهم، وبقي كثيرون لا نعرف عنهم شيئا، فالمثقفون يكتبون عن عبقرية الزعيم، وخطباء الجمعة يتحدثون بعيدا عن المنطقة الحمراء، والإعلام تم تخديره وتدجينه، وسجون العالم العربي أقامها الطغاة لاثبات أن السخرة والعبودية والإذلال مرادفة لحقوق الإنسان في عرف سيد القصر.
مليكة أوفقير تصرخ في عالم من الصم والبكم والعمي.
.. التفاصيل
حوار بين مواطن خليجي و .. إعلامي عربي
10:37 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 18 مايو 2008
في أحد فنادق عاصمة دولة عربية خليجية التقى مواطنٌ خليجي بأحدّ المثقفين الإعلاميين الذي كان قد صاحبه في سنوات الدراسة الجامعية بعاصمة مشرقية ثورية. دار بين الرجلين حوارٌ على مائدة العشاء في المطعم الأنيق بالطابق الأرضي، والتقطنا شطرا منه ..
المواطن الخليجي: أرى ملامحك قد تغيّرت قليلا، وبدأتَ تميل ناحية السمنة، وفقدت بعضا من رشاقتك التي عرفناك بها خلال سنوات الزمن الجميل في الجامعة! الإعلامي العربي: وأنا كدت لا أعرفك بعقالك ودشداشتك، ولا أدرى إنْ كان الشيب قد غزا مفرقك وترك خصلات بيضاء تمتد بطول شعر رأسك، ولكن ما أراه أن طفرة البترول، التي أطلق عليها نزار قباني زيت الكاز، قد بدت على المشهد برمته.
المواطن الخليجي: هل قابلتَ أحدا من زملائنا القدامى؟ الإعلامي العربي: لا أرى أكثرهم إلا في مناسبات متفرقة، فمنهم من شدَّ رحاله إلى دول الخليج العربية، ومنهم من هاجر إلى أوروبا وأمريكا، أما منْ بقيَّّ في البلد فهو يصارع الحياة اليومية فتصرعه تارة، ويتحداها من جديد فيصبر على الغبن، ويصمت على الظلم، ويهادن السلطة، فهي في بلدنا تتحكم في مأكله ومشربه وحريته ومستقبله، فإذا تحرك لسانه بغير هواها، تحرك سوطها على غير رضاه.
المواطن الخليجي: هل ستقضي معنا عدة أيام لعلنا نلتقي على مائدة خليجية في منزلي الجديد القريب من الشاطيء؟ الإعلامي العربي: إنني هنا في مؤتمر ثقافي يناقش قضايا الحرية الإعلامية في العالم العربي ، وبعد إنتهاء جلسات المؤتمر أختطف ساعة أو بعض الساعة للتسوق في المول الجديد.
المواطن الخليجي: وماذا ستفعلون بنتائج المؤتمر؟ الإعلامي العربي: سيتم وضعها في أرشيف داخل مجلدات ضخمة عليها أتربة، ولن يستفيد منها أحد!
المواطن الخليجي: لماذا إذاً قبلت الدعوة لحضور مؤتمر لن يضيف إلى بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة قوة، بل قد ينتقص مما لديها؟ الإعلامي العربي: لقد أصبح الخليج العربي قِبْلَتنا، وفنادقُه نحلم بالاقامة فيها كأننا نعتمر، ونستنشق رائحة الحرية رغم أننا في بلادنا الثورية نسخر من الخليجيين، ونتهمهم بأنهم من نسل أبي جهل الذي اشترى فليت ستريت. إذا لم نذهب إليكم زائرين وعاملين وإعلاميين، فنحن ننتظركم سائحين أو داعمين لمؤسسات خيرية.
المواطن الخليجي: ولكنكم تنتسبون لدول تعاقبت على أرضها حضارات رائعة، ولديكم كثافة سكانية هائلة، وجامعاتكم ومعاهدكم العلمية وطلابكم وأطباؤكم وخبراؤكم يستطيعون أن يحققوا المعجزات، والنفط ليس مقتصرا علينا، ولديكم الماء والأنهار والأرض الزراعية، بل يمكنكم أن تجعلوا بلادكم حلما يهاجر إليها المواطن الخليجي! الإعلامي العربي: لأننا نأكل شعارات، ونقيم مصانع للطغاة في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا. في بلادنا الثورية نحارب طواحين الهواء، ونكتم الأنفاس باسم إزالة آثار العدوان، ونقطع الألسن دفاعا عن الفلسطينيين، لكننا نلقي بهم في سجوننا الممتدة من الحدود إلى الحدود، ونعاملهم في مطاراتنا كأنهم جرب نجس جاء يدنس أرض الثورة المباركة. في بلادنا ملوك يحملون أسماء ثورية، وورثة من أولادهم تتحرك سطور الدستور وفقا لأهوائهم، ولو أراد الزعيم أن يورث ابنه الحكم وهو حيوان منوي لم يُخَصّب بويضةً بعد فإن رؤساء تحرير الصحف الكبرى قادرون على وضع التاج على رأسه والحديث عن عبقريته قبل أن يولد بتسعة اشهر. إنني هنا أستنشق عبير الحرية لعدة أيام قبل أن أعود إلى السجن!
المواطن الخليجي: ومن قال لك بأن خليجنا تجري من تحته الأنهار، ويسكنه ملائكة فقط، وتحكمه عبقريات تجري فيها جينات آينشتانية؟ إننا أيضا نعاني من مشاكل، ولدينا تركيبة سكانية تجعلك أحيانا لا تعرف إن كنت في كلكتا أو دلهي الجديدة أو لاهور أو مدينة خليجية تنتصب فيها الأبراج كأنها تناطح السحاب أو تهرب من الأرض. ولدينا أيضا أحاديث في الخفاء والعلن عن الطائفية، ويعمل على أرضنا طابور خامس طويل من شرق الخليج وغربه، ومن شمال البحر المتوسط وجنوبه، ومن مريدي بن لادن وحجاج البيت الأبيض، ومن نسل إيللي كوهين وموظفي السفارات العربية والفنادق الكبرى وجواسيسها. ونحن سنهاجر إلى بلادكم إن تم فجأة اكتشاف بديل للنفط، فَقِلةٌ من دول الخليج مَنْ صنعت للذهب الأسود بدائل ولو على استحياء، وأكثر سياسيينا لم يتبينوا بعد خطورة الطرح الطائفي. لكنني أعترف لك بأن القمع والقهر والتعذيب ومطاردة المعارضين وتصفيتهم لم تستطيعوا أن تصدّروها لنا إلا بكمية تسمح فقط لهيبة السلطة أن ترفع صوتها أو تلوح بسوطها! في بلادنا ملوك وأمراء قضوا مئات السنوات يحكموننا وهم ليسوا غرباء عنا، وبيننا وبينهم ميثاق وعهد، وفي بلادكم ملوك في قصور الرؤساء، وأمراء يرتدون الجينس، وسلاطين بربطة عنق أنيقة. أنا أضمن لنفسي أن لا يستدعيني رجل استخبارات في مطار بلدي ليسألني عمن قابلت في ملتقى إعلامي بعاصمة أخرى، أما أنت فمضطر، في كثير من الأحيان، أن تضمن لنفسك كفاف يومها بكتابة تقرير لجهاز الأمن عن زملائك الذين يعارضون الملك الرئيس، أو الذين التقوا بمعارضين ولو كان اللقاء على مائدة طعام كبيرة لا يسمع فيها أحد أحدا! أنا أبتسم في وجه ضابط أمن المطار لدى العودة وأقول له: حياك الله، فيرد التحية! أما أنت فترتعش يداك، وتنفصل مفاصل ركبتيك، ويرتفع الكولسترول في دمك عندما تقوم بتسليم جواز سفرك لضابط أمن المطار، فأنت متهم حتى يعيده إليك، وتشكره لأنه لا يشكرك، بل قد يلقى في وجهك بوثيقة سفرك كأنه يتوعدك بيوم آخر ! الإعلامي العربي: ولكن لا يمكن غض الطرف عن الدور الذي قامت به دولنا العربية المشرقية في تطور الخليج، وتقدمه، وحتى في إعلامه المسموع والمرئي، وصحافته، وأحسب أنني لا أسبب لك حرجا إن قلت وحتى في تحرير دوله إنْ جاءها خطر خارجي.
المواطن الخليجي: ونحن لم ننكر مطلقا الدور الايجابي الذي لعبه أشقاؤنا، ومع ذلك فهي لم تكن علاقة أخذ وعطاء، لكن حقيقتها تكمن في كونها تبادل مصالح ومنافع ولو غلّفتها دغدغة مشاعر الجماهير عن الأُخُوّة والعروبة والتواصل الديني. هل سمعت عن بعثة عربية مشرقية جاءت للعمل تطوعا ومجانا ودون أي أجر مباشر أو غير مباشر؟ أما تحرير الكويت، إن كنت تقصد الإشارة إلى هذا الحدث، فكل من ساهم فيه حصل على أجره، وقامت الكويت باسقاط مليارات من الديون التي كانت تثقل اقتصاد ( الأشقاء ) الذين ساهموا في تحريرها، ولكن صعوبة أوضاعهم المادية ترجع إلى الفساد والنهب المنظم ولصوص السلطة. لا نستطيع أن نقيم علاقات صحية بيننا وبين أشقائنا في المشرق العربي مادامت لغة المخاطبة تنطلق من هذا الاستعلاء السخيف الذي يقوم بتذكيرنا سبعين مرة في اليوم أن نهضتنا ستظل مدينة لسواعدكم وعقولكم وعلومكم، وأننا بدونكم كان مصيرنا سيصبح في ذمة هامش التاريخ والجغرافيا معا. أنت هنا في مؤتمر إعلامي تستفيد بقدر ما تفيد، ولو لم تقم بحساب الربح والخسارة قبل سفرك، لما ترددت في أن تبقى في بلدك لا تغادرها إلا قبل التأكد من أن الربح يفوق الخسارة. الإعلامي العربي: ولكنني هنا من أجلك، والملتقيات الفنية والعلمية والأدبية والإعلامية في الخليج لا تستقيم بدون الوجوه المشرقية والمغربية التي تمنح المؤتمر هويته العربية، وتتأصل فيه رموز الثقافة والتقدم في العالم العربي.
المواطن الخليجي: أنانية لا ينفع معها أحيانا حياؤنا وأدبنا ومراعاة مشاعركم. وأنت هنا في يومك الثالث لم تكلف نفسك عناء الذهاب إلى مكتبة وشراء الصحف الخليجية اليومية، وربما لا تعرف أسماء أعضاء الحكومة في بلدي، ولن أطرح عليك سؤالا عن أدبائنا وشعرائنا ومراكز البحث العلمي والدراسات الخليجية. أنت تقرأ الصحيفة التي تجدها معلقة على باب غرفتك في الفندق، وربما تبحث فيها عن أسماء مشرقية يتهلل لها وجهك، وتمر مَرّ الكرام على أخبارنا المحلية كأنها أحاديث عن الحياة اليومية لقبائل مهددة بالانقراض. هل لك أن تذكر لي أسماء قارئي نشرات الأخبار الخليجيين في إذاعات وفضائيات الدول العربية المشرقية والمغربية؟ ستقول بأن الأجور لا تناسب الخليجي، لذا فهو يرفض العمل هناك! والحقيقة أنها سياسة منهجية مغرورة تظن أننا لا نصلح للعمل لديكم. لقد فرضنا اللهجة الخليجية بعد سنوات من العمل الشاق، والصبر الشديد. الإعلامي العربي: لماذا لا تقيمون مؤتمرات خليجية بحتة، وتقتصر الدعوات فيها على العقال والدشداشة والشعر النبطي؟
المواطن الخليجي: يا سيدي، يمكنك أن تدلف إلى أرشيف أي مؤسسة إعلامية أو فكرية أو علمية أو جامعية أو صحيفة أو شركة وستجد طلبات العمل والالتحاق بها تزيد أضعافا مضاعفة عن عدد سكان الخليج برمته، وكلها قادمة من الدول العربية المشرقية والمغربية. إن استقامة العلاقة لن تصل إلى درجة الشفافية دون الاعتراف بأنها تبادل مصالح ومنافع، ولا مانع مع ذلك من مشاعر الود والاحساس بالاستقرار والراحة. نحن لسنا نفطا وصحراء وبدوا وجِمالا تبرك أمام ضيوفها الأعزاء المتحضرين. ونحن نتحمل اضطرابات وقلاقل تأتون بها إلينا، وترسلون جواسيسكم للعمل في المؤسسات والفنادق، وأنت تظن أنه يخفى علينا ما يقوم به الطابور الخامس من تسريب أسرار الدولة وضيوفها ونشاطاتهم مباشرة لسفارات دول عربية مشرقية ومغربية، تحتل فيها الدبابة مكان القلم، والزنزانة محل الديوانية. هل يستطيع زعيم دولة عربية مشرقية أو مغربية أن يغادر ومعه كل أعضاء حكومته لتقديم واجب خارج البلاد لعدة ساعات؟ أظن أن مبنى الإذاعة والتلفزيون سيتم احتلاله من المعارضة قبل أن تحلق طائرة زعيمكم في الأجواء المحلية! الإعلامي العربي: أنت تحدثني كأن قصور حكامكم الفاخرة مقرات لجمعيات خيرية، وأن بيت مال الخليج لا يعرف من المتسولين غير أشقائكم في الدول العربية الثورية. نحن أيضا نفقد حريتنا على أعتاب بلادكم، ويقيم الواحد منا عشرين عاما ويظن أنه أصبح واحدا منكم، فإذا جاء موعد تجديد الإقامة اكتشف أنه لو كان في الغرب لأصبح واحدا منهم دونما حاجة لعيون زرقاء وشعر ذهبي. إن الواحد منا الذي يخيفه زائر الفجر في بلده، يفزعه تهديد الكفيل في بلادكم، وتهديد ضابط الأمن لدينا يعادل كلمة ( التفنيش ) عندكم.
المواطن الخليجي: ومع ذلك فلو منحت فرص عمل في الخليج لكل مواطني أقطارنا العربية الثورية لما بقي في بلادكم غير المنتفعين بالحكم الفاسد ولصوص الوطن. وبلادنا لا تعرف المقابر الجماعية، ولا يتخلص فيها زعيم الدولة من عدة مئات من المعارضين دون أن يرتفع حاجب في وجه أحد صناع الكلمة والحرية. إنكم تنظرون إلينا بنفس نظرة الأوروبي الجاهل بعاداتنا وتقاليدنا رغم أننا ننتمي لوطن واحد وأمة ذات رسالة خالدة، كما تقول أدبياتكم الثورية. صحفكم مليئة بالتهكم علينا، ولو ظهر في عاصمة ثورية سفيه خليجي فإنكم تنهشون لحومنا قبل أن تتحرك تروس المطابع بجرائدكم الأكثر عددا من جمعيات حقوق الإنسان. أتفق معك بأن قضايا الجنسية والتجديد والإقامة المهددة بالتفنيش وعدم المساواة في الأجور وجشع الكفيل تؤرق الشرفاء منا، وتقوم بتشويه صورة المواطن الخليجي، لكنها قضايا محلية نناضل من أجل وضع حلول متحضرة لها. لم نقل بأننا صنعنا مجتمعات مثالية، لكننا غاضبون على مشاعركم المتأرجحة بين التعاطف إن رفع بئر النفط لدينا مستويات معيشتكم، وبين حجارة تلقونها علينا إن دافعنا عن كرامتنا في مواجهة يقينكم بأننا بدو استبدلوا بالجمل مرسيدس، وبالخيمة قصرا، وبالضيافة العربية الأصيلة كفيلا يلوح بالسوط وفي يده الأخرى حزمة من العملة الخضراء. ثرائي ليس مرتبطا بالجهل، وقلمك ليس ملتصقا بالفقر. إننا في مركب واحد لو ثقبته في مسقط لغرق في أغادير، ولو احترق في اللاذقية لأبتلعه خليج هرمز. لو تعلّم كل منا قبول الآخر لكان لهذا الحوار شأن آخر.
حوارات أخرى للكاتب
حوار بين سمكتين في قاع البحر حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك حوار بين زنزانتين في سجن عربي حوار بين حمار و .. زعيم عربي حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك حوار بين سجين حر و .. حر سجين حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية حوار بين وافد و .. كفيل حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة
.. التفاصيل
القات في اليمن .. العبودية المختارة
10:36 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
مشهد قبيح لا تميّز فيه بين إنسان يتعاطى القات، وبين حمار يلتهم حزمة برسيم. يتميز الحمارُ بأنه ينشط بعد تناول وجبة دسمة من البرسيم، ويستطيع حَمْل أضعاف ما يرهقه به صاحبه. أما الإنسان فهو يستلقي على ظهره بعد فترة تخزين، ثم تهرب من جسده كل الخلايا النشطة، ويحل محلها خمود وكُمون وكسَل وبلاهة، وأنا لا أفهم كيف يقوم الحمار، أعني الإنسان الذي يُخَزّن القات من مكانه ليتوجه إلى العلي القدير بالصلاة، ويقرأ قرآنا لو نزل على جبل لرأيته خاشعا باكيا؟ أنا أفهم أن المخدرات جريمة تطارد عدالةُ الدولة مرتكبيها، أما أن تكون تلك المخدرات الخضراء التي تساوي تماما بين الإنسان والحمار منهج دولة، وأسلوب حياة، وثقافة شعب، و( تابو ) لا يقترب منه الدين، ولا يقوم إمام المسجد في خطبة الجمعة بتحريمه واعتباره أم الجرائم في حق متعاطيه والمجتمع وأهله فهو لغز الألغاز. هل رأيت جلسة تخزين جماعية وقد أحاطت بها من كل مكان حزم من القات، واسترخت أجساد مخزنيه، وانتفخت وجوههم كأنهم مرضى على فراش الموت؟ هل رأيت حمارا، أعني إنسانا في نهاية جلسة التخزين القبيحة وهو يبتسم لك فيختلط اللون الأخضر الباهت مع أسنان صفراء فاقع لونها، وقد خرجت من الفم روائح كريهة لا تدري إن كان صاحبها نام قيلولته في حظيرة حيوانات، أو أنه استنساخ جديد لحيوان هجين يترك عائلته وزوجته وأطفاله ليحتضن بدلا منهم أعشابا سامة وقذرة تتولى تغييبه عن العالم، ورفضه إنسانيته التي كرمها الله عز وجل؟
ترى هل يخاف الرئيس من القضاء على الشجرة الخبيئة لئلا يستيقظ الشعب من سباته؟ أي إهانة تلك التي أقنعت شعبا بكامله أن هذا المخدر لا يصطدم بالدين والأخلاق والانسانية؟ هنا يأتي علماء السلطة وهم أكثر من الهمّ على القلب؟ يمسكون المصحف الكريم باليد اليسرى، ويصافحون الطاغية باليد اليمنى. يقرأون القرآن الكريم، ويعبدون الشيطان بعده. تجدهم ملتصقين بالمستبدين واللصوص وجزّاري الشعوب. عندما استدعاهم صدام حسين لتبرير غزوه الكويت، كانوا حاضرين بين يديه قبل أن يقوم من مقامه. وكان الحسن الثاني يبني لشعبه زنزانات تحت الأرض المغربية الطيبة، وينهب خيراته، ويحتقر أبناء المغرب، وعندما يأتي موعد الدروس الحسنية في رمضان من كل عام، يأتيه علماء السلاطين ليقنعوه، وهو غير مقتنع، أن السماء أصدرت عفوها عنه قبل أن تقوم أصغر دابة بزيارة سجن تزمامارت. واجتمع علماء السلاطين بُعَيّد اتفاق وادي عربة ليقولوا لشعبنا الأردني بأن الله يبارك التفريط في الوطن والاستقلال!
وكلما دخلت السجنَ دُفعةٌ جديدة من المعتقلين في مصر وتونس واليمن والسودان وسوريا وليبيا و ... رفع علماء السلاطين أيديهم بالدعاء للسجان الأكبر أن يًثَبّت الله قدميه فوق رؤوس العباد، ويلهب سوطه على ظهورهم. القات أشد ضررا من الحروب، وبعدما كان الحكم الموالي لموسكو في الجنوب على وشك النجاح في القضاء على المخدرات الخضراء، أصبح اليمنان يمنا واحدا، والحظيرة تتسع لكل جلسات تخزين البرسيم، أقصد القات! يطلب المسؤول رشوة لكي يتمكن من تسديد نفقات السموم، ويلغي القات الزمن من مُخَزّنيه، وتتسع دائرة العجز الجنسي، ويكتشف الأطباء أمراضا في الجسد النحيل لم يعرفوا عنها من قبل.
في منتصف النهار يبدأ الجسد في إثارة كل الخلايا، فيحث صاحبه على الاسراع للبحث عن أم الكوارث، فالعادة تجعل كل المحرمات طبيعية، ورجال الدين لا علاقة لهم بما يغضب السلطة، والسلطة ترفض أي محاولة لايقاظ الشعب، فالجماهير المغيَّبة والمخدَّرَة والنائمة هي شعوب بلهاء، اختارت العبودية عن سبق اصرار، ورفض دورها الانساني، وجعلت بهجتها الكبرى في الاستلقاء جماعة في حظيرة أبقار أو حمير، فهذا هو الحل الوحيد للهروب من التكليف الإلهي بالعمل والشرف والعبادة وتعمير الأرض وخلافتها.
صمتُنا على انتحار شعب بالعشب الأخضر مشاركة منا في إبادة جماعية لدولة عربية همَّشَها الاستبداد والقات.
.. التفاصيل
متى ينسحب العراقيون من العراق؟
10:34 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
الإحتلال أمر واقع، وجامعة الدول العربية تبعث مندوبيها، وتستقبل أعضاء الحكومة العراقية الذين ينقلون رغبات اليانكي كأنها ألسنة الوطنيين. قوات الإحتلال أعطتها أجهزة الإعلام العربية اسما جديدا، وهو القوات الدولية أو الأمريكية وكأنها تتدرب في قواعد بشيكاجو أو هيوستون أو ميتشجان. الطائفية صنعت فعلا مجتمعا تجزيئيا تتقاسمه الهويات القاتلة، ويحدد اسمك السني أو الشيعي أو المسيحي عمرك الإفتراضي. يهرب العراقيون من جحيم الوطن الأم، وتتحدث حكومة المنطقة الخضراء عن الأمن والسلام بعد مطاردة فلول القوى الارهابية. التطرف الديني بلغ حده الأقصى، وكرامة المرأة في حدها الأدنى، وتصفية الأكاديميين وأساتذة الجامعات والعلماء تجري على قدم وساق، فتخليص العراق منهم رغبة إسرائيلية تحققها قوات الإحتلال، ويغض المالكي الطرف عنها. صحيح أن العنف الظاهري وصل إلى مرحلة متدنية، وعمليات المقاومة التي للأسف الشديد اختلط على الناس بها الإرهاب الأعمى تراجعت كثيرا، لكن حكومة فيشي العراقية وقوات الاحتلال لايزالون يحتمون بالمنطقة الخضراء، فالاستعمار لا يصنع سلاما، والمتعاونون معه لا يمكنهم أن يخلقوا أمنا، أو يطورا سلوكيات، أو يقدموا مشروعا أخلاقيا. تراجعت المقاومة عندما رفضت طوال خمس سنوات أن تكشف الجانب القبيح من الإرهاب، وتركت الأوغاد يقتلون، ويدمرون، ويفجرون أنفسهم في مساجد ومستشفيات، ويذبحون جرحى، ويجزون رؤوس أبناء بلدهم. المقاومة العراقية الشريفة كانت تستطيع أن تجمع حولها الشعب كله لو أنها قاومت الإرهابيين، وكشفت أسماءهم، وطاردت مخابئهم، وقامت بتصفيتهم على قدم المساواة مع أعداء الوطن. رغم بشاعة جرائم الاحتلال وقوات فيشي العراقية المتعاونة معها، ورغم أن سجون العهد الجديد لا تختلف عن سجون جمهورية الرعب في عهد صدام حسين، إلا أن مقاومة شريفة مرادفة لغباء سياسي تساوي نصرا لعدو خائف يتعاون معه وطني أحمق. الطائفية التي صنعها الوجود الأمريكي ليست أزمة يمكن حلها بنظام المحاصصة، لكنها كراهية تم تثبيتها في الصدور، وقام المدافعون عنها باستدعاء الأدلة والشواهد من تاريخ السلف، وكل عراقي يظن أنه يملك مفاتيح الجنة والحق، وأن ابن وطنه المختلف معه في تربية دينية تلقاها منذ الطفولة لن يشم ريح الجنة أبداً. آلاف المواقع على النت، وعشرات الآلاف من الشباب المهووسين بجنون الجدال الأجوف نقلوا الحرب إلى الشاشة الصغيرة، ويستطيع كل طرف عراقي الآن بعد خمس سنوات من تدنيس أرض الرافدين أن يقحمك المهالك، وأن يحدد لك موقعك في جحيم الآخرة وفقا لأدبيات الطائفية الجديدة. لن يقيم العراقيون سلاما في وطنهم بحملات المداهمة والاعتقال والمطاردة وفتح المعتقلات وتعذيب المناهضين واغتصاب العراقيات واتهام كل مناهض للحكومة الوطنية الأمريكية بأنه ارهابي أو بعثي أو قاعدي. العراقيون في حاجة إلى ما لم تستطع أن تأتي به قوات الاحتلال وهي رسالة المحبة والوطنية والتسامح تجاه الآخر ونبذ الطائفية واعتبار توسعة الخلافات المذهبية وصمة عار في تاريخ العراق. الشياطين تضحك ملء وجوهها وهي ترى العراقيين يتربصون بأبناء وطنهم في حماية قوات الغزو الأمريكي، فالمعادلة الوطنية لم تعد ترى الأولوية في طرد الاحتلال، لكن في ازاحة المخالفين عن الطريق حتى لو كانوا مسيحيين عراقيين تشهد أنسجة أجسادهم أنهم ينحدرون من أجداد لم يعرفوا وطنا لهم غير ما تروي أرضَه مياهُ دجلة والفرات. العراقيون يفترشون الأراضي السورية والأردنية والتركية والإيرانية، ثم يقولون بأن تدخل الجيران هو الذي يحول بينهم وبين السلام في بلادهم. تفريغ العراق كأن طاعونا أصابه سياسة منهجية يشترك فيها خصوم الوطن والشعب، فإذا أضفنا إليها تصفية العلماء والمثقفين والإعلاميين والأكاديميين والأطباء وأصحاب التخصصات النادرة، فهمنا على الفور أن العراق يتعرض لعملية تقسيم بدأ يوم أن تم تقسيم مجاله الجوي، ثم ظهر الحديث الطائفي الذي انتهى إلى القتل على الهوية. في أزمنة سابقة كانت كلمة التعاون مع الاحتلال تقرع ضمير أي عربي، ويحتقر الانسان البسيط أي اسم يعرف عنه أنه ابتسم في وجه جندي محتل أو أحد أذناب الاستعمار. والتاريخ يحتقر أيضا المتعاونين، وفيشي رمز للعار الفرنسي، وكفيسلنج نموذج للعار النرويجي، وحتى السفير المصري في إسرائيل يعتبره الوطنيون المصريون ايللي كوهين بلسان مصري وقلب عبري. صنع صدام حسين جمهورية الرعب، وقتل نصف مليون شخص من ابناء بلده، وجعل الجحيم في أسماء السجون والمعتقلات، ولم يكن العراقي يتنفس في عهده إلا بأمره، ومع ذلك فملايين العراقيين يتحسرون على عهد دراكيولا العرب، ويعتبرونه رمزا لنضالهم وجهادهم وعزتهم وكرامتهم ( التي مرغها لهم في التراب لثلاثة عقود )، وهذا يدل على أن العصر الأمريكي الذي تتحدث باسمه حكومة طائفية متعاونة مع خصوم الوطن أكثر سوادا وذلا ورعبا من جمهورية الخوف في عهد الطاغية السابق. العنف تدنى، لكن الأمن لم يعرف طريقه للعراق رغم وجود مئة وخمسين ألف جندي أمريكي طوال خمس سنوات، ورغم عمليات التعذيب في أبو غريب التي تنافس فيها رجال صدام حسين وبوش في عهدين مختلفين، ولم يتأخر المالكي وعلاوي والجلبي عن الحفاظ على السجون العراقية كرمز لاذلال المواطن. العراق يشهد تفريغا لسكانه، ولن يمر وقت طويل حتى يفاجئنا نشر خبر عن العثور على عراقيين في وطنهم! الخبر العادي الآن عن تفاؤل الكثيرين في مستقبل العراق، لكن لم يقل لنا أحد أن المستقبل سيكون مع أو بدون الشعب العراقي! ربما سيحتفل الاحتلال والحكومة بجعل العراقيين في المنافي أكثر عددا من سكان الوطن البائس!
.. التفاصيل
في المطارات .. كلنا بن لادن
10:29 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
لم يعد أسامة بن لادن يخيف الأمريكيين والأوروبيين فقط، لكن الخوف انسحب علينا جميعا، خاصة في المطارات حيث ترصدك العيون التي في الوجوه، والعيون التي في الكاميرات، ولو أرادت جهة أمنية أن تستدعي كل حركاتك ولفتاتك وايماءاتك وما بداخل فمك وأنت تتثاءب فلن يكون الأمر عليها عصيّا! سيقول قائل: ولكن في المطارات العربية أنت متهم حتى تقلع بك الطائرة، وفي عودتك يطاردك الاتهام حتى تخرج من المطار وتمنحك فرحة مستقبليك من الأهل مشاعر الأمان وكأنك نجوت من حبل المشنقة. قبل أن تهبط الطائرة مطار دمشق الدولي تسمع صوتا يوقظك من أحلامك لتزداد نبضات قلبك: الرجاء عدم استخدام آلات التصوير في المطار! ترى هل يحتاج الجاسوس الديجتالي الجديد إلى تصوير أرضية المطار من نافذة الطائرة؟ في مطار العاصمة الهاشمية تستطيع أن تتعرف على شجرة عائلتك، وربما تفاجئك معلومة كنت قد نسيتها تماما، فأنت نشرت مقالا عن الراحل الحسين بن طلال في صحيفة خليجية لعشرين عاما خلت. في مطار عاصمة تونس الخضراء لن يلقي على مسامعك ضابط الأمن بيتين لأبي القاسم الشابي، لكن عينيه ستخترقان قفصك الصدري للبحث عن جريمة في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، وإذا لم تكن أمك قد دعت لك في صلاة الفجر سبعين مرة فربما يُخرج لك ضابط الأمن صحيفة سوابق لم تتعرف عليها من قبل، وفيها صورة لك وأنت تتقدم مظاهرة في باريس أو بروكسل أو جنيف تندد بحقوق الإنسان في عهد بطل حركة التصحيح. شركة أسامة بن لادن وجورج بوش لصناعة الخوف وتعليبه وتصديره تنتقل للعمل في مطارات كانت قبل الحادي عشر من سبتمبر نموذجا للتسامح والتساهل وتوزيع الابتسامات بنفس القدر على البيض والصفر والسود والهنود الحمر. منذ ثلاث عشرة سنة كنت في طريق العودة من استنبول التركية إلى أوسلو، وكان ابني في العاشرة من عمره. اشتريت له كمية كبيرة من الصواريخ النارية التي يطلقها الشباب والصغار في أعياد الكريسماس في النرويج. اكتشفها جهاز أمن المطار، وشرحت للضابط التركي الأسباب وفي ذهني فيلم ( قطار منتصف الليل) الذي يرتجف له الجسد كله إن مر على الذهن مشهد واحد من الفيلم. بعد عشر دقائق كان الموضوع قد انتهى، واستولى الضابط على الصواريخ النارية قائلا بأنه سيعطيها لابنه. الآن يمكن لمعجون الأسنان أن يجعلك تقف متهما في المطار، ولك أن تتخيل الرئيس جورج بوش ينظر إليك بعينين حمراوتين وهو يتوعد قوى الإرهاب بالويل والثبور. قداسة البابا شنودة الثالث تعرض هو أيضا للتفتيش في أعرق مواطن الديمقراطيات التي يركع أمامها ليبراليونا في عالمنا العربي الحالم بحقوق مرتادي المطارات الأوروبية. عندما أوقفني رجل أمن في مطار هيثرو لأكثر من ساعة ونصف الساعة( فبراير 2008)، سألني عن كل شيء، وقرأ مقدمة كتابي قبل الأخير(الثامن) وهي بالانجليزية، وقلت له بأنني أحمل الجنسية النرويجية منذ سبعة وعشرين عاما، وعضو اتحاد الصحفيين النرويجيين، ولم يحدث مرة واحدة في أكثر من ثلاثين عاما في زياراتي السنوية الكثيرة للعاصمة البريطانية أن وقفت أمام ضابط الجوازات لأكثر من نصف دقيقة، كان رده الآتي: استوقفتك عندما علمت بأنك صحفي، وتركني لنصف ساعة، وبعد عودته تأسف بشدة وتمنى لي اقامة طيبة، وكانت يومين فقط . قام ابني الكبير بزيارة كندا بدعوة من القسم الفني الثقافي بالأمم المتحدة للغناء باللغة النرويجية مع فرقته، فهي أغاني هادفة وحصل ألبومه على المركز الثالث على مستوى النرويج. في المطار تم توقيفه واستجوابه فترة طويلة، كانت في حقيبته أدوات الجريمة ، مصحف صغير، وسجادة صلاة وبوصلة. وكانت الأسئلة: هل سافرت إلى الأردن؟ هل أنت شيعي أم سني؟ هل سافرت إلى مصر؟ على الرغم من أنه نرويجي الجنسية والمولد. ثم اعتذار مع نصف ابتسامة. كنت دائما أشعر بأن مطار هيثرو هو الأقرب إلى قلبي، وعندما أسافر إلى بلد عربي، أفضل أن يكون الترانزيت في مطار صاحبة الجلالة. أما الآن فكل شيء قابل للحدوث، وكل مفاجأة تختفي خلف ابتسامة ضابط الجوازات والتفتيش. وعندما اشتريت من لندن كتابا عن قصة حياة أسامة بن لادن، وضعته في الحقيبة الكبيرة، ولو كان في حقيبة اليد وقرأت فيه في صالة الانتظار فربما تغير اتجاه سفري! في الطائرة المتجهة من أوسلو إلى أمستردام كنت ثاني اثنين في درجة رجال الأعمال، وخافت المضيفة الهولندية الجميلة. بعد دقائق كان الكابتن الطيار يجلس بجواري، ويتعرف علي، ثم يطلب مني أن أكتب انطباعاتي عن شركة الخطوط الجوية الهولندية، وانصرف! كان الهدف أن أنشغل طوال الرحلة وهي أقل من ساعتين. عندما كان ضابط الأسكوتلانديارد في مطار هيثرو يستجوبني مزحت معه قائلا: لقد تخطيت الستين من عمري، ولو أنني قمت بعملية ارهابية فسألهث من التعب بعد ثلاث دقائق، فضحك كثيرا، ولم أفهم إن كان خجلا من مزاحي، أم غير مصدق أنني لست ارهابيا! منذ سنوات طويلة كنت من أوائل من كتب محذرا من حركة طالبان المتخلفة ومن أسامة بن لادن ومن الدعم السعودي لأباطرة الحروب في أفغانستان، ومع ذلك فأنا وغيري ممن ناهضوا كل صور التخلف والتشدد والغلو .. والارهاب ندفع ثمنه، وأحيانا يختلط الأمر في المطارات التي كانت مثالا للتسامح، فيتصورون أن سبب البشرة السمراء الـ (dnt)، وليس شمس العرب التي لوّحت وجوهنا، وبدا أننا جميعا مشتركون في جريمة عدم تهنئة اسرائيل بعيدها الستين، ومأتمنا الستين أيضا!
.. التفاصيل
تحرير المصريين .. فضائية مصرية معارضة
10:28 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
السنوات الأخيرة قبل العد التنازلي لأم الدنيا، وقد فشلت كل المحاولات للاطاحة بطاغية مصر .. حسني مبارك، ولم تعد هناك بارقة أمل في مظاهرة أو انتفاضة عمّالية أو ثورة طلابية أو دعوة للعصيان المدني ، فقبضة الأمن لا تعادلها أو تنافسها قبضة أخرى تمسك بخناق أي شعب في العالم. مِصْرُنا تحولت إلى معتقل كبير يستطيع رجال الرئيس فيه الوصول إلى فراش المواطن، وأحلامه، ويتابعون بريده الالكتروني، ويمنعونه من السفر، أو يضعونه في المترقب وصولهم. يستطيعون أيضا أن يتحكموا في مأكله ومشربه وعمله، وأن يتم الايحاء لرب العمل بطرده، وأن يقوم ضباط أو عساكر أو مخبرون بتعليمه آداب العبودية وقواعد الطاعة في تخشيبة أو مكتب المأمور أو يعلقون أطرافه في السقف أو يدخلون العصا في موضع العفة منه. مئات الآلاف يقرأون مقالات مفزعة عن المشهد المصري فضلا عن الملايين الذين يعرفون تفاصيله كما يعرفون أبناءهم، وكل مصري من الثمانين مليونا، باستثناء قلة منتفعة أو غبية أو جاهلة أو ساذجة ، يستطيع أن يقص عليك ما يزلزل الأرض غضبا ويجعل الشيطان يحتفل بانتصاره على أبناء آدم في وادي النيل العظيم. وبالرغم من ذلك فالأمور تجري كأن المصريين وقّعوا عقدا مع القدر أن يطيعوا، ويسمعوا ولو صنع لهم الطاغية زنزانة لكل مواطن. حتى ثورة الخبز..غضب الجياع انتهت إلى قبضة الأمن، والرجل يُعِدّ ابنه كأنه أقسم أن لا تترك أسرة مبارك مصر للمصريين قبل أن تجتث حضارتها وتاريخها وخيراتها وطيبة أبنائها، وتنهي هذه الأسرة الباغية إلى غير رجعة أحلام المصريين في زمن جميل. وسقط المصريون في المصيدة، وتفرقوا شيعا وأحزابا وطوائف وجماعات يخاصم بعضها بعضا أكثر من كراهيتهم لعدو الشعب وهو على مبعدة كيلومترات معدودة ، أو في ثكنته العسكرية الأمنية بشرم الشيخ استعدادا لهروب قد لا يأتي أبدا إذا استمر الوضع ساكنا وهادئا وبليدا. خصوم الشعب المصري ليسوا فقط أسرة مبارك وزبانية الحكم وضباط التعذيب وبلطجية العنف ولصوص الوطن، لكن الخصوم الحقيقيين هم الذين يتحكمون في صناعة الكلمة والصورة والخبر والتعليق، ويحصلون على أجورهم من بيع دماء أبناء الشعب وكتابة التقارير والتغزل في أعتى وأشرس وأعفن أنظمة الحكم الارهابية في قاهرة المعز. ولكن ماذا عن الفضائيات؟ خطوط حمراء كثيرة كأن لونها القاني من سفك دماء الشعب ، واتفاقات سرية مع أجهزة الأمن والقمع والقهر في أحط صور التعاون بين الإعلام والزنزانة، وباستثناء ثلاث أو أقل من الفضائيات فإن استقلالية القرار على الهواء لصالح المظلومين غير وارد اطلاقا، وليس أمام المصريين إلا فضائية مصرية معارضة في عاصمة أوروبية ، لا تكون لها هوية أخرى غير حقوق الانسان وتحرير مصر من الطاغية ورفض كل صور التحزب والطائفية والفتنة والتفرقة بين المسلمين والأقباط . فضائية مصرية تنشر وثائق وشواهد وقرائن عما يحدث في مصر من نهب وسلب واستحمار واستنعاج واستئفار وسُخرة وعبودية وهبر وتهريب وفساد. فضائية مصرية تُحدث المصريين عن كرامتهم، وعن حقوقهم في السكن اللائق والعمل والحياة الحرة الكريمة ولقمة العيش ، وتحذرهم من خصوصهم في السلطة وفي الصحافة وفي القنوات التلفزيونية المصرية التي تضربنا على أقفيتنا مع( صباح الخير يا مصر) وتعيد صفعنا على نفس القفا مع (البيت بيتك). فضائية مصرية معارضة يعلم العرب بعدها، وأشقاؤنا في الخليج الذين يدعمون بالمال عدو المصريين الأول وابنه وسارقي اللقمة من أفواه هذا الشعب الطيب، أن اطالة عمر هذا النظام البائس المتوحش والنتن هي جريمة في حق مصر والمصريين. فضائية مصرية معارضة تستقطب وجوها سمراء طيبة وجميلة لوّحتها شمس دافئة من أسوان إلى الاسكندرية، ولا تعرف في ضيوفها إن كانوا مسلمين أو أقباطا أو ناصريين أو يساريين أو يمينيين أو وفديين أو إخوانا مسلمين أو سلفيين أو مستقلين.
فضائية مصرية ليس فيها خطوط حمراء، ولا علاقة لها بالأمن، ولا تتلقى التوجيهات من صاحب رأس المال وهو جالس في مكتب أمن الدولة يُملي عليه الباشا ما يرغب فيه الرجل الكبير. فضائية مصرية تعيد الروح للمصريين، وتحرّض على الانتفاضة، وتشرح للناس ثقافة العصيان المدني، ويشاهدها جنرالات وقادة الجيش المصري العظيم فيكتشفون أن دعمهم للطاغية اعلان حرب ضد أهلهم وأبنائهم ونسائهم وأجيال تأتي من بعدها يبحثون عن العبور الحقيقي فلا يعثرون عليه. فضائية مصرية معارضة يبكي فيها المصريون على أحوالهم، ويصرخ المتوجعون من شدة الألم، ويلعن الغاضبون طاغيتهم، ويتحرر أبناء الوطن من الخوف، ويخجل المنافقون من زيفهم، وربما تتحرك ضمائر ضباط الأمن لصالح المصريين بعيدا عن بطش اليد والضرب بالحذاء. فضائية مصرية معارضة تنهي حالة التناغم والتوافق والمساومة بين الفضائيات الأخرى وأجهزة القمع التي تعز من تشاء وتذل من تشاء، والتي تعتمد أيضا على أصحاب ضمائر ميتة وأقلامٍ حيّةٍ كأنها حَيّةٌ تسعىَ بنابها وسُمّها.
فضائية مصرية معارضة يأتيها الأشقاء والأصدقاء معتذرين ، من كل دول العالم، أنهم لم يكونوا على علم مسبق بجحيم المصريين تحت قبضة مبارك، وأنَّ كل حر لا يقف مع تحرير مصر من هذه الأسرة المتسلطة والارهابية هو في حالة عداء ضد الشعب المصري. فضائية مصرية معارضة تحتضن حتى الخائفين والذين صمتوا ردحا طويلا من الزمن، وبعد وقت قصير من انطلاقها ربما تنهمر دموع كل ذي ضمير إنساني، كان قد اشترك في تأييد مبارك أو دعمه أو الدفاع عنه أو ايجاد مبررات لطغيانه وجبروته ودراكيوليته. فضائية مصرية معارضة لن تستغرق وقتا طويلا بعد بثها حتى يتهاوى النظام الهش الكرتوني الديكتاتوري ، ويحتفل المصريون بأسّمىَ وأجمل وأطهر أعيادهم .. يوم تنتهي كلمة مبارك من فضاء مصر، ويبقى تاريخه الأسود شاهدا على حقبة مظلمة تحالف فيها جبروته مع صمتنا، ودفعت أم الحضارات الثمن غاليا. فضائية مصرية معارضة تستعد لاعلان البيان الأول الذي طال انتظارنا له، وانتظاره لنا كثيراً .. كثيرا.
.. التفاصيل
لكن صدام حسين لا يزال حيا
10:27 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
الأيديولوجيات لا تموت بموت أصحابها، والمجرمون كالمصلحين يتركون خلفهم بعد رحيلهم مؤمنين بقناعاتهم. عندما دخلت القوات السوفيتية والحلفاء برلين بعد هزيمة المشروع النازي العنصري، تم اغتصاب مليون امرأة وفتاة ألمانية، فهنا تساوت قسوة تلاميذ ستالين مع أتباع هتلر مع منتصرين من الناحية الغربية. صدام حسين الذي شنقوه بعد محاكمة أمريكية بلسان عراقي غير مُبْين، لم يصنع ملائكةً، ولم يَقُم بانشاء مدارس لتعليم السلوك القويم، وجعل كلَّ اثنيّن من العراقيين جاسوسيّن على الثالث حتى لو كانوا في عائلة واحدة، بل في أسرة واحدة، وربما من رحم أم واحدة. صدام حسين لا يزال حيّاً في السجون والمعتقلات والانتهاكات، وروحه تراقب المقابرَ الجماعيةَ في عالمنا العربي، وهي تُحلّق فوق قصور سادتنا، وأحيانا تنزل لتلقينهم دروسا في الطغيان، وتقوم بتعليمهم سفك الدماء وتربية العبيد من رجال الأمن وكلاب السلطة. صدام حسين لا يزال حيّاً بيننا، فأنا أراه في آلاف الصفحات على النت، ثم أدير مؤشر التلفاز فيُخرج لي لسانه من وجه أحد ضيوف الفضائيات التي كانت تدعمه حيا، ويرزقها بعد موته. قضى ثلاثين عاما أو أكثر في الحكم وأصبحت له مدرسته الخاصة في تعليم الطغاة، فقد كان بحق طاغية تشهد له كل الشياطين أنه تفوق على أقرانه من هيلاسلاسي إلى منجستو هيلا مريم، ومن فرانكو إلى سالازار، ومن سوموزا إلى ستالين، ومن القذافي إلى مبارك، ومن الأسد إلى زين العابدين بن علي، ولعل هتلر وستالين هما اللذان تفوقا عليه. في طريق السلطة لم يكن لأحد أن يُحرك لسانه بغير مشيئة القائد المهيب، فقام بتصفية الدكتور إبراهيم رياض وزير الصحة، والدكتور هشام السمان، والدكتور إسماعيل التاتار، وكذلك أمر بقتل والديّ أحفاده، وزوجيي ابنتيه رنا ورغد بعد أن وعدهما بالعفو، وهل يعرف صدام الرحمة؟ تاريخ طويل من المذابح والقسوة والوحشية، وضرب أبناء شعبه بالأسلحة الكيماوية، والتسبب في حربين مجنونتين خرج من الأولى بنصف مليون قتيل ومعاق، ومن الثانية بعشرات الآلاف من جنوده المنهزمين في الصحراء يرفعون ملابس داخلية بيضاء لعل القوات الأمريكية تكون أرحم عليهم من رئيسهم وعدوهم. صدام حسين لا يزال حياً، فالانتخابات التونسية حصل فيها الرئيس على نسبة 99%، والمصرية في ولاية خامسة دفع فيها منافس الرئيس ثمنا غاليا بين جدران السجن، وضحك الرئيس علي عبد الله صالح على شعبه، وأقسم أنه لن يجدد بعد ثمانية وعشرين عاما من الحكم، فلما جلس اليمنيون يمضغون القات ويخزنون السُمَّ الجماعي، لم يستوعبوا مزحة الرئيس فجدد لنفسه ولاية أخرى. صدام حسين لا يزال حيا، فالإعلاميون الذين كان يُطعمهم ويأويهم، ويشتري لهم سيارات مرسيدس سوداء يعملون بجد ونشاط في خدمة أسياد آخرين، وأصبحوا الآن جماهيريين أكثر شهرة من نجوم كرة القدم، ويُطِلّون علينا من الشاشة الصغيرة، ويمتدحون أسيادهم على الانترنيت، ويفتتحون مانشيتات صحفهم بأحاديث مقززة ومقرفة عن البطل المغوار الذي تنكمش أمامه إسرائيل، ويتدارس العالمُ نهجه وعبقريته، وهو الأب الحنون الذي لا ينام الليل من أجل رعاية مصالح شعبه. صدام حسين لا يزال حيَاّ، فكوبونات النفط صنعت وجوها احتضنتها فضائيات، فظلّوا على الوفاء بالعهد، وهم طابور ساتلايتي خامس، جندتهم أجهزة الأمن لتلميع القادة والزعماء، واستدراج من أرادوا احراقه، فلا فرق بين الاستديو في أهم فضائية عربية وبين مكتب مدير الأمن، أو بين الاحراق على الهواء ومثيله في التخشيبة. صدام حسين لا يزال حيّاً، وأتباعه جعلوا منه شهيدا مع الصِدّيقين والأنبياء والرسل والمبَشَرين بالجنة. إذا كانت المقابر الجماعية وحكايات ملايين من العراقيين لعَنوه حيّاً وميّتاً، ووثائق ومستندات وأحياء تشهد أن جرائم صدام حسين لو ضمتها مجلدات فإن صفحاتها تمتد بطول نصف الكرة الأرضية، ومع ذلك فعالَمُنا العربي يضم بين بَحْرّيّه ملايين من الأسياد والعبيد، من الحكام والشعوب، من الاسلاميين والعلمانيين واليساريين والبعثيين وحتى خصوم الأمس الذين يؤمنون بمباديء الطاغية، ويعيدون تلميعه وتأهيله، وتزييف تاريخه. هذا يعني أن هناك خللا في تركيبة الإنسان العربي، وأننا نحتاج فعلا إلى علاج نفسي قبل أي نهضة أو تقدم، وأننا صنعنا صدام حسين حيا، وأعدنا الروحَ إليه بعد موته. لهذا لم يجد الطغاة في عالمنا العربي الممتد من صنعاء إلى أغادير، ومن اللاذقية إلى مقديشيو أي حرج في ادخال العصا في مؤخرة المواطن، أو في التجديد لولاية غير أخيرة قبل زيارة عزرائيل أو زيارة إسرائيل! صدام حسين لا يزال حيّاً، ويضحك علينا ملء فمه، فأكثر من ثلاثة عقود لم تصنع جمهورية رعب واحدة، لكنها صنعت أمة رعب واحدة ذات رسالة خالدة! إذا لم تصدق أن صدام حسين لا يزال حيّاً، فعليك بمتابعة الخطاب القادم للزعيم، وأن تقرأ بتمعن الاتهامات الموجهة لآخر جماعة تم القبض عليها، وأن تقارن بين غرف التعذيب في عهد قائد الجبهة الشرقية، وغرف التحقيق في أمن الدولة من صيدنايا إلى معتقل القلعة، مرورا بسجون كل أسيادنا، وحينئذ ستتأكد بأن نفخة روح الله في الإنسان العربي، والطاغية بوجه خاص، قد تم استبدالها. لعلك لا تصدق هذا الكلام وتعتبره أدبيات تسقط من الذاكرة بعد هنيهة أو لحظتين، وما عليك سوى أن تنتظر زائر الفجر فهو القادر على ايصال الرسالة إليك بأنَّ سَيّدَه لا يزال حيّاً. الذين يقومون بتكذيب الأحاديث عن الطغاة، ويشكّكون في حكايات وروايات وحقائق وقرائن لدى كل منظمات حقوق الإنسان، إما أنهم حمقى ينبغي الحَجْر عليهم، أو أنهم مشتركون، فَعليّاً أو خياليا، في جرائم الطغاة والمستبدين ومصاصي دمائنا. صدام حسين لا يزال حيّاً، ويمكنك أن تراه سبعين مرة في اليوم لو منحك الله نعمة الضمير اليقظ، ونُبْل الخُلُق الرفيع!
.. التفاصيل
الأقباط .. محامون فاشلون عن قضايا عادلة
10:24 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
عندما يقرأ لي قبطي، ثم يشكك في موقفي المبدئي من همومه، فهو إما أن يكون أحمقا لا يستطيع التمييز بين الأصدقاء والأعداء، أو أنه حاقد يعيش على الكراهية ويزايد في الدفاع عن قضايا ليس مقتنعا بها إلا قناعة القطيع في الحماية الجماعية والالتصاق خوفا من عصا لا يهش بها راعيها إلا قليلا. هموم الأٌقباط هي واجبات وطنية ودينية وإنسانية أحملها كأنها جزء من ثقافتي لا ينفصل أو ينقطع أو يحيد عن مساره تحت أي ظروف. وقضايا أقباط بلدي، في مجملها ومعظمها إلا ما ندر، عادلة وواضحة وتضع أصابعها في عيون من يجحدها أو يتنكر لها أو يناهضها أو ينفي وجودها. ليست القضية بالنسبة لي أن أغوص في مباحث الدين للإتيان بشواهد على أهمية العدل والمساواة، أو بقراءة شرعة حقوق الإنسان، أو بالبحث في ثنايا الدستور المصري، أو باستخراج قوانين تشهد مع العدل بالمساواة الكاملة بين أقباط ومسلمي أرض الكنانة. لكنني أملك ما تعجز عن الإتيان بمثله كل النقاشات والجدال والأدلة والقرائن والتفسيرات وهي قناعاتي اليقينية بأن التمييز بين مواطن وآخر في أدنى الصور ، وفي الشعور واللاشعور، وفي الفكر اليقظ أو الغضب السريع أو بين أربعة جدران ليست لها آذان بأن لحظة واحدة عابرة تشعرني كمسلم بأنني أفضل من أخي القبطي تدخل بدون ريب في دائرة التمييز المقيت والمقزز والعفن. لا يحتاج الأمر مني إلى الوقوف على منصة الاستجواب أمام مسلم آخر مثلي يحاول أن يقنعني بأن أبناء بلدي الذين سقطوا من بطون أمهاتهم على غير ديني هم أقل مني قيمة، ومأواهم النار، وأنهم أهل ذمة أو أنهم ( الآخرون ) الذين ينبغي أن تكون لهم قوانين مفصّلة على قدر عقائدهم. هزل لا أجد لدي دقيقة واحدة لمناقشته، ولست على استعداد للوقوف أمام مجموعة من الأقباط والمسلمين، ثم أدعو الله أن يرحم المسلمين فقط، أو أن يفسح في جنة الخلد مكانا لشهداء المسلمين في حروبهم ضد إسرائيل، ثم يرسل الأبطال الوطنيين من أقباطنا .. شركاء الوطن إلى جحيم أبدي. أنا أرى أن حل المشكلة القبطية دائما في يد صاحب السلطة الأولى في مصر الفرعونية منذ أن تقبط وادي النيل لأكثر من ألف وتسعمئة عام. إذا صلح الحاكم وكان عادلا وعاشقا لبلده ومؤمنا بقيمة الإنسان بغض النظر عن دينه، فقد صلحت الرعية واكتشف أهل البلد مساحات واسعة من التسامح كانت خافية عليهم. وإذا وقعت مصر في قبضة طاغية ومجنون ونيرون يحكمها بالحديد والنار والاغتصاب وأجهزة أمن ذئبية، فإن مساحات الخوف تتحول إلى عالم الكراهية، والتطرف ينعكس على الجميع، والأكثر يهضم حقوق الأقل. مطالب أقباطنا لا تحتاج لنقاش أو إثبات حقوق المساواة، وأن أي منصب في الدولة يجب أن لا يكون حقا إسلاميا فقط، وأن من حق القبطي أن يكون رئيس جهاز المخابرات أو قائدا للجيش أو وزيرا للدفاع أو رئيسا للوزراء أو رئيسا للجمهورية. وأن التردد ساعة واحدة في ترميم كنيسة( لغير الأسباب المالية) هو تمييز ضد شركاء الوطن. وأن استخدام تعبير قتلى لوصف شهداء الكشح هو تمييز، بل وصف غير أخلاقي أو إنساني، وأزعم أن التمييز هنا مناهض لأوامر الله، تعالى، ومن يرى أن رب الكون العظيم سينحاز إليه وحده وإلى قومه فقط وإلى أصحاب دينه أو مذهبه أو طائفته ضد الآخرين فقد دخل دائرة الكراهية البعيدة تماما عن رحمة الله. في الجانب الآخر فقد سقط أقباطنا في أهم اختبارات المدافعين عن أطهر وأعدل القضايا عندما انحاز كثيرون منهم ضد دين الأغلبية المصرية، وبحثوا، ونقَّبوا في كتب صفراء قديمة عن أحاديث وحكايات واساءات وخرافات ثم أقاموا عليها فهما جديدا لخاتمة الديانات السماوية. أنا أفهم أن المعركة لو كانت بين المسلمين وبين القوى الاستعمارية أو الغزاة لاختلف الأمر، أما أن تتحول المعركة إلى كثير من أقباطنا في جانب، وديننا الإسلامي في الجانب الآخر فالأديان لا تنهزم . ايها الأقباط .. شركاء المسلمين في كل شبر من مصر الطاهرة.. لا تشغلوا أنفسكم بمعارك هي من صلب دفاعاتنا، فأحاديث بول الرسول ورضاع الكبير ونجاسة المرأة ومئات وآلاف غيرها مما ضمته كتب تعفرت في المخازن وفوق الرفوف تمثل معركتنا، نحن المسلمين، ضد قوى التطرف والغلو والتشدد والتخلف التي خرجت من أحشائنا، ويعيشون بيننا، ويقومون بتكفيرنا قبل أن يحكموا عليكم بالكفر. لا تضموننا إليهم، وابحثوا في الاسلام كما فعل مئات الآلاف من المفكرين والمنصفين والعلماء والمؤرخين فعثروا بسهولة ويسر على مساحات من التسامح تكفي لأن تجعلنا جميعا متساويين في كل شيء. فانساي مونتاي وروجيه جارودي وجوستاف لوبون( محمد أسد ) ومراد هوفمان وتوماس كارليل وول ديورانت وعباقرة التاريخ الأوروبي عثروا في الاسلام على كنوز لا تفنى، فمنهم من اعتنقه، ومنهم من اكتفى باحترامه. لا تؤذوننا في ديننا، رحمكم الله، فما يتم نشره من الغث والدميم والقبيح نسعى نحن لاستئصاله، ويعمل المتشددون على تثبيته، فلا تقفوا معهم ضدنا، فنحن حاملو همومكم. معركتكم الحقيقية هي اقناع المسلمين في مصر بأن حقوقكم واجباتهم، وليس اثبات أن دينكم أفضل من دينهم!
.. التفاصيل
ساركوزي .. أمين عام الأزرق الكبير
10:21 PM
,
Thursday 4 September 2008
..
0
تعليقات
بعد عدة أعوام سيدعو رئيس وزراء إسرائيل إلى ( الإتحاد من أجل البحر الميت)، فتردّ إيرانُ بمشروع ( إتحاد الدول المطلّة على خليج هرمز)، فيقوم الرئيس اليمني القادم أحمد علي عبد الله صالح بعرض فكرة مشروع ( التجمع الموحّد من أجل جزيرة حنيش)، وهنا يغضب الزعيم الليبي القادم سيف الإسلام القذافي فيعقد مؤتمرا في خليج سرت حول مشروع ( مَدّ النهر الاصطناعي العظيم للدول المجاورة)!
نابليون بونابارت الجديد لن يحتاج إلى خيل يقتحم بها الأزهر الشريف، ولن يوحي لمستشاريه في مصر |